منتديات الروقان

العودة   منتديات الروقان > المنتديات العامة > المنتدى الإسلامى العام


المنتدى الإسلامى العام مخصص للمشاركات الفقهية وعلوم الشريعة على منهج أهل السنة والجماعة

المنتدى الإسلامى العام

إضافة رد
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 04-17-2011, 01:33 PM رقم المشاركة : 7
زهرة الداليا  
المشرفه العامه سابقا

الصورة الرمزية زهرة الداليا








زهرة الداليا غير متواجد حالياً


افتراضي رد: تحميل مجموعة كتب الدكتور زغلول النجار

من أسرار القرآن
(‏ فوجدا عبدا من عبادنا آتيناه رحمة من عندنا وعلمناه من لدنا علما‏*‏ قال له موسي هل أتبعك علي أن تعلمني مما علمت رشدا‏)[‏ الكهف‏:65‏ ‏66]‏

هاتان الآيتان القرآنيتان الكريمتان جاءتا في بدايات النصف الثاني من سورة الكهف‏,‏ وهي سورة مكية‏,‏ وآياتها مائة وعشر‏(110),‏ وقد سميت بهذا الاسم لورود الإشارة فيها إلي قصة أصحاب الكهف‏.

وهم فتية مؤمنون بربهم في زمن ساد فيه الشرك بالله‏,‏ وخوفا من أن يفتتنوا في دينهم فروا من جبروت حكامهم المشتركين‏,‏ ولجأوا إلي غار بجبل قريب من مدينتهم مكثوا فيه نياما لفترة امتدت إلي ثلاثمائة وتسع من السنين القمرية‏,‏ ثم بعثهم الله سبحانه وتعالي بعد تلك المدة الطويلة بمعجزة تشهد له سبحانه بطلاقة القدرة علي كل شيء‏,‏ ومن ذلك البعث بعد الموت‏.‏
ويدور المحور الرئيسي لسورة الكهف حول قضية العقيدة الإسلامية‏,‏ ومن ركائزها الإيمان بالله تعالي ربا واحدا أحدا‏,‏ فردا صمدا‏,(‏ لم يلد ولم يولد‏*‏ ولم يكن له كفوا أحد‏)(‏ الإخلاص‏:4,3),‏ ومن هناك كانت ضرورة تنزيه الله تعالي عن الشريك والشبيه والمنازع والصاحبة والولد‏,‏ وعن غير ذلك من صفات خلقه‏,‏ وعن كل وصف لا يليق بجلاله‏.‏
من أوجه الإعجاز الإنبائي والتاريخي في وصف القرآن الكريم لقصة عبدالله ونبيه موسي مع الخضر
علي عادة القرآن الكريم في استعراضه للقصص فإنه يوصل قارئه مباشرة إلي الدروس المستقاة من القصة دون الدخول في تفاصيل الأسماء والأنساب والأماكن والأزمنة إلا في حدود ما يخدم الهدف من استعراض القصة ويظهر جانبا من جوانب الإعجاز فيها‏.‏
وتبدأ رواية القرآن الكريم عن هذه الواقعة يقول ربنا تبارك وتعالي في محكم كتابه‏:(‏ وإذ قال موسي لفتاه لا أبرح حتي أبلغ مجمع البحرين أو أمضي حقبا‏*‏ فلما بلغا مجمع بينهما نسيا حوتهما فاتخذ سبيله في البحر سربا‏*‏ فلما جاوزا قال لفتاه آتنا غداءنا لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا‏*‏ قال أرأيت إذ أوينا إلي الصخرة فإني نسيت الحوت وما أنسانيه إلا الشيطان أن أذكره واتخذ سبيله في البحر عجبا‏*‏ قال ذلك ما كنا نبغ فارتدا علي آثارهما قصصا‏*‏ فوجدا عبدا من عبادنا آتيناه رحمة من عندنا وعلمناه من لدنا علما‏*‏ قال له موسي هل أتبعك علي أن تعلمن مما علمت رشدا‏*‏ قال إنك لن تستطيع معي صبرا‏*‏ وكيف تصبر علي ما لم تحط به خبرا‏*‏ قال ستجدني إن شاء الله صابرا ولا أعصي لك أمرا‏*‏ قال فإن اتبعتني فلا تسألني عن شيء حتي أحدث لك منه ذكرا‏.‏
والسبب في هذا الموقف من قصة عبدالله ونبيه موسي عليه السلام يشرحه لنا حديث رسول الله الذي أخرجه البخاري عن أبي بن كعب رضي الله عنه أنه سمع رسول الله يقول إن موسي قام خطيبا في بني إسرائيل‏,‏ فسئل أي الناس أعلم؟ قال‏:‏ أنا‏,‏ فعتب الله عليه إذ لم يرد العلم إليه‏,‏ فأوحي الله إليه‏:‏ إن لي عبد بمجمع البحرين هو أعلم منك‏,‏ قال موسي‏:‏ يارب‏!‏ كيف لي به قال‏:‏ تأخذ معك حوتا فتجعله بمكتل فحيثما فقدت الحوت فهو ثم‏,‏ فأخذ حوتا فجعله بمكتل ثم انطلق وانطلق معه فتاه يوشع ابن نون عليه السلام حتي إذا أتيا الصخرة وضعا رءوسهما فناما‏,‏ واضطرب الحوت في الكتل فخرج منه فسقط في البحر‏,‏ فاتخذ سبيله في البحر سربا‏,‏ وأمسك الله عن الحوت جرية الماء‏,‏ فصار عليه مثل الطاق‏.‏ فلمل استيقظ نسي صاحبه أن يخبره بالحوت‏,‏ فانطلقا بقية يومهما وليلتهما‏,‏ حتي إذا كان من الغد قال موسي لفتاه‏:‏فلما جاوزا قال موسي لفتاه آتنا غدائنا لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا‏)(‏ الكهف‏:62).‏
ولم يجد موسي النصب حتي جاوز المكان الذي أمره الله به‏,‏ قال له فتاه‏:(‏قال أرأيت إذ أوينا إلي الصخرة فإني نسيت الحوت وما انسانية إلا الشيطان أن أذكره واتخذ سبيله في البحر عجبا‏)(‏ الكهف‏:63).‏
قال‏:‏ فكان للحوت سربا‏.‏ ولموسي وفتاه عجبا‏,‏ فقال‏:(‏ذلك ما كنا نبغ فارتدا علي آثارهما قصصا‏)(‏ الكهف‏:64).‏
قال فرجعا يقصان أثرهما حتي انتهيا إلي الصخرة‏,‏ فإذا رجل مسجي بثوب‏,‏ فسلم عليه موسي‏,‏ فقال الخضر‏:‏ وأني بأرضك السلام؟ فقال‏:‏ أنا موسي‏.‏ قال‏:‏ موسي بني إسرائيل؟ قال نعم‏,‏ أتيتك لتعلمني مما علمت رشدا‏(‏ قال إنك لن تستطيع معي صبرا‏)(‏ الكهف‏:67)‏
يا موسي‏!‏ إني علي علم من علم الله علمنيه لا تعلمه أنت‏,‏ وأنت علي علم من علم الله علمك الله لا أعلمه‏.‏
فقال موسي‏...‏ ستجدني إن شاء الله صابرا ولا أعصي لك أمرا‏)(‏ الكهف‏:69)‏
قال له الخضر‏..‏ فإن اتبعتني فلا تسألني عن شيء حتي أحدث لك منه ذكرا‏)(‏ الكهف‏:70).‏
فانطلقا يمشيان علي ساحل البحر‏,‏ فمرت سفينة فكلماهم أن يحملوهما‏,‏ فعرفوا الخضر‏,‏ فحملوهما بغير نول‏,‏ فلما ركبا في السفينة لم يفاجأ إلا والخضر قد قلع لوحا من ألواح السفينة بالقدوم‏,‏ فقال له موسي‏:‏ قد حملونا بغير نول فعمدت إلي سفينتهم فخرقتها لتغرق أهلها‏!‏ لقد جئت شيئا إمرا‏.‏
‏(‏ قال‏:‏ وقال رسول الله صلي الله عليه وعلي آله‏:‏ فكانت الأولي من موسي نسيانا‏,‏ قال‏:‏ وجاء عصفور‏,‏ فوقع علي حرف السفنية فنقر في البحر نقرة أو نقرتين‏,‏ فقال له الخضر‏:‏ ما علمي وعلمك في علم الله إلا مثل ما نقص هذا العصفور من هذا البحر‏,‏ ثم خرجا من السفنية فبينما هم يمشيان علي الساحل إذ أبصر الخضر غلاما يلعب مع الغلمان فأخذ الخضر رأسه‏,‏ فاقتلعه بيده فقتله‏,‏ فقال له موسي‏...‏ أقتلت نفسا زكية بغير نفس لقد جئت شيئا نكرا‏*‏ قال ألم أقل لك إنك لن تستطيع معي صبرا‏)(‏ الكهف‏:75,74)‏
قال‏:‏ وهذا أشد من الأولي‏(‏ قال إن سألتك عن شيء بعدها فلا تصاحبني قد بلغت من لدني عذرا‏*‏ فانطلقا حتي إذا أتيا أهل قرية استطعما أهلها فأبوا أن يضيفوهما فوجدا فيها جدارا يريد أن ينقض‏...)(‏ الكهف‏:77,76)‏
أي مائلا فقال الخضر بيده‏(‏ فأقامه‏)‏ فقال موسي‏:‏ قوم أتيناهم فلم يطعمونا ولم يضيفونا‏(...‏ لو شئت لاتخذت عليه أجرا‏*‏ قال هذا فراق بيني وبينك سأنبئك بتأويل ما لم تستطع عليه صبرا‏)(‏ الكهف‏:78.77)‏
فقال رسول الله ‏:‏وددنا أن موسي كان صبر حتي يقص الله علينا من خبرهما‏(‏ أخرجه البخاري في صحيحة عن ابن عباس عن أبي بن كعب‏)‏ وجاء التأويل في تفسير تلك الأحداث الثلاثة بقول القرآن الكريم علي لسان الخضر عليه السلام ‏أما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر فأردت أن أعيبها وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة غصبا‏*‏ وأما الغلام فكان أبواه مؤمنين فخشينا أن يرهقما طغيانا وكفرا‏*‏ فأردنا أن يبدلهما ربهما خيرا منه زكاة وأقرب رحما‏*‏ وأما الجدار فكان لغلامين يتيمين في المدينة وكان تحته كنز لهما وكان أبوهما صالحا فأراد ربك أن يبلغا أشدهما ويستخرجا كنزهما رحمة من ربك وما فعلته عن أمري ذلك تأويل ما لم تستطع عليه صبرا‏)(‏ الكهف‏:79‏ ‏82).‏
وهذا هو تفسير ما أشكل فهمه علي عبدالله ونبيه موسي بن عمران في مواقفه الثلاثة مع العبد الصالح المسمي بالخضر والذي أعطاه الله تعالي علما لم يتوفر للنبي موسي بن عمران عليه السلام فالسفينة إنما خرقها الخضر ليبعيبها لأنهم كانوا يمرون علي ملك من الظلمة يأخذ كل سفينة جيدة صالحة غصبا فأراد الخضر أن يصيبها بعيب مؤقت لرد ذلك الملك الغاصب عنها‏,‏ وأما الغلام الذي قتله الخضر فكان سيدعو في كبره إلي الكفر بالله‏,‏ وأبواه كانا مؤمنين‏,‏ فأراد الله تعالي أن يبدلهما بغلام أتقي الله منه وأبربهما‏(‏ ولايقضي الله لمؤمن قضاء إلا كان خيرا له‏).‏ وأما الجدار المتهالك الذي أقامه الخضر كان لغلامين يتمين في المدينة‏,‏ وكان تحته مال مدفون لهما‏,‏ حفظه الله تعالي لهما بصلاح أبيهما‏,‏ وفي ذلك دليل علي أن صلاح الآباء يصل للأبناء ولو بعد عدد من الأجيال‏,‏ وفي الآية الكريمة دليل علي إمكان إطلاق القرية علي المدينة والعكس‏.‏
وفي قول القرآن الكريم علي لسان الخضر عليه السلام رحمة من ربك وما فعلته عن أمري ذلك تأويل ما لم تسطع عليه صبرا الكهف‏:82.‏
أي أن هذا الذي فعلته في تلك المواقف الثلاثة إنما هو من رحمة الله تعالي بعباده‏,‏ وما فعلته عن أمري‏,‏ لأن الله تعالي أمرني به‏,‏ ووقفت عليه‏,‏ وفيه دلالة لمن قال بنبوة الخضر عليه السلام مع دلالة ما تقدم علي ذلك من قول الحق تبارك وتعالي ‏‏فوجدا عبدا من عبادنا آتيناه رحمة من عندنا وعلمناه من لدنا علما‏).‏ وإن كان البعض قد ذهب إلي الاعتقاد بأنه كان وليا من الصالحين‏,‏ والله تعالي أعلي وأعلم‏.‏ وفي صحيح البخاري‏,‏ عن أبي هريرة أن رسول الله قال‏:‏ إنما سمي الخضر لأنه جلس علي فروة فإذا هي تهتز من تحته خضراء والمراد بالفروة هنا الحشيش اليابس‏,‏ وهو الهشيم من النبات‏,‏ وقيل المراد بذلك وجه الأرض‏.‏ وفي التأكيد علي حقيقة الغيب وعلي ضخامة حجم العلم اللدني الذي وهبه الله تعالي لهذا العبد الصالح المسمي باسم الخضر ما نقله ابن جرير عن أبي بن كعب‏,‏ عن ابن عباس رضي الله عنهما قال‏:‏ كان النبي صلي الله عليه وسلم إذا ذكر أحدا فدعا له بدأ بنفسه‏,‏ فقال ذات يوم‏:‏ رحمة الله علينا وعلي موسي لو لبث مع صاحبه لأبصر العجب‏,‏ لكنه قال‏..‏ إن سألتك عن شيء بعدها فلا تصاحبني قد بلغت من لدني عذر‏).‏
وهذا الواقعة من سيرة عبدالله ونبيه موسي ابن عمران‏,‏ جاءت في سورة الكهف فقط من كل القرآن الكريم‏,‏ وفي الآيات‏(60‏ ‏82)‏ من هذه الصورة المباركة‏.‏ والقرآن الكريم لم يحدد المكان الذي وقعت فيه تلك الواقعة إلا بوصف أنه عند مجمع البحرين‏,‏ ولم يحدد تاريخ وقوعها هل كان في مصر‏,‏ أم في شبه جزيرة سيناء‏,‏ أم في شرق الأردن‏,‏ وفي كل تلك المناطق مجامع للبحرين منها التقاء فرعي النيل‏(‏ فرع رشيد وفرع دمياط‏),‏ وفي شبه جزيرة سيناء هناك التقاء كل من خليج السويس وخليج العقبة‏,‏ وفي الأردن هناك التقاء نهر الأردن بالبحر الميت‏,‏ وأغلب الظن أن الواقعة تمت في شبه جزيرة سيناء أثناء التيه حول خليج العقبة وذلك لأن فتي موسي يوشع بن نون لم يرد له ذكر في جميع أحداث موسي مع فرعون مصر‏,‏ ولكنه قاد بني إسرائيل بعد وفاة كل من هارون وموسي عليهما السلام‏,‏ ويبدو أن الملك الذي كان يأخذ كل سفينة غصبا كان في الجزء الشمالي الغربي من شبه الجزيرة العربية لأنه لم يكن هناك ملوك في مصر بجوار الفرعون‏,‏ ولم يكن هناك ملوك كذلك في شبه جزيرة سيناء‏,‏ ولا في شرق الأردن‏,‏ كذلك لم يذكر القرآن الكريم اسم العبد الصالح الذي لقيه النبي موسي وطلب منه أن يتبعه لعله أن يعلمه مما علم رشدا‏,‏ ولولا أن رسولنا قد سماه لنا كما سمي لنا فتي موسي عليهما السلام ما كان أمامنا من وسيلة إلي معرفة ذلك‏,‏ ولكن الهدف من استعراض تلك الحلقة من سيرة النبي موسي مع العبد الصالح هو عدد من الدروس الأخلاقية والسلوكية التي يمكن ايجازها فيما يلي‏:‏
(1)‏ ضرورة التواضع وعدم الاغترار بما يحصل الإنسان من العلم‏,‏ لأن علم الإنسان مهما اتسعت دوائره فهو علم محدود بحدود قدرات الإنسان الذهنية والحسية‏,‏ وبحدود مكانه من الكون‏,‏ وحدود زمانه‏,‏ ومن ثم فإنه لا يشكل ذرة في علم الله المحيط بكل شيء‏.‏
‏(2)‏ من هنا كانت ضرورة التفريق بين المعارف المكتسبة بواسطة حواس الإنسان وقدرات عقله‏,‏ والعلم الذي يهبه الله سبحانه وتعالي لعبد من عباده والذي يعرفه باسم العلم الموهوب‏,‏ وهو جزء من علم الله اللدني يطلع به من يشاء من عباده علي شيء من الغيب بالقدر الذي يشاء‏,‏ لحكمة يعلمها هو سبحانه ومن هنا فإن تصرفات من يوهبون شيئا من هذا العلم اللدني قد تبدو في ظاهرها متعارضة مع المنطق العقلي نظرا لمحدودية قدرات الإنسان‏,‏ ومن هنا فإنها لاتفهم إلا بعد إدراك ما وراءها من الحكمة المغيبة عنا‏.‏
‏(3)‏ ضرورة الاستفادة عن الأمور الغائبة عنا بشيء من الأدب الذي لاجزم فيه‏,‏ حتي لو كان ذلك في طلب العم الراشد من أهله‏.‏
‏(4)‏ ضرورة الإيمان بالغيب وهو من حقائق الوجود‏,‏ وضرورة التفريق بين الغيب المرحلي الذي يمكن للإنسان الوصول إليه بشيء من البحث والمجاهدة والغيوب المطلقة التي لا يعلمها الا الله أو يطلع علي قدر منها من يرتضي من أنبيائه وأوليائه الصالحين‏.‏
‏(5)‏ ضرورة الرضا بقضاء الله وقدره‏,‏ لأن الله تعالي لا يقضي لعباده المؤمنين إلا بخير‏,‏ حتي لو بدا ظاهر القضاء أو القدر في غير مصلحة الإنسان‏,‏ فإن باطنه بالقطع في مصلحه‏.‏
‏(6)‏ ضرورة التسليم بأن الله تعالي قادر علي كل شيء‏,‏ وأن إرادته نافذة في كل شيء‏,‏ وأنه لاراد لقضائه‏,‏ ومن هنا كانت ضرورة رد الأمر في كل شيء إلي الله‏,‏ فهو تعالي رب هذا الكون ومليكه‏,‏ ومدبره أمره‏,‏ وميسر كل شيء فيه‏.‏
‏(7)‏ إن من واجبات العبد المؤمن تنفيذ أوامر الله تعالي مهما كلفة ذلك من وقت وجهد‏.‏
‏(8)‏ التسليم بأن الإنسان معرض للنسيان‏,‏ وبأن من الواجب إكرام الصالحين من عباد الله‏.‏
‏(9)‏ اليقين بأن صلاح الوالدين يصل إلي ذراريهما إلي عدد من الأجيال المتتابعة‏.‏
‏(10)‏ وهذه الدروس هي وجه من أوجه الاعجاز الاعتقادي والأخلاقي والسلوكي في كتاب الله‏,‏ كما أن ذكر الواقعة هو وجه من أوجه الاعجاز الإنبائي والتاريخي في هذا الكتاب العزيز‏.‏






من مواضيع زهرة الداليا في المنتدى

قديم 04-17-2011, 01:34 PM رقم المشاركة : 8
زهرة الداليا  
المشرفه العامه سابقا

الصورة الرمزية زهرة الداليا








زهرة الداليا غير متواجد حالياً


افتراضي رد: تحميل مجموعة كتب الدكتور زغلول النجار

من أسرار القرآن
‏(‏إن قارون كان من قوم موسي فبغي عليهم‏...)‏

هذا النص القرآني الكريم جاء في منتصف الربع الأخير من سورة القصص‏,‏ وهي سورة مكية‏,‏ وآياتها ثمان وثمانون‏(88)‏ بعد البسملة‏,‏ وقد سميت بهذا الاسم لورود قصة نبي الله موسي مع فرعون وملئه‏,‏ بشيء من التفاصيل‏.
وقصة قارون الذي كان من قومه‏,‏ وخطاب مفصل إلي رسول الله في ذلك‏,‏ ويدور المحور الرئيسي للسورة حول قضية العقيدة الإسلامية شأنها في ذلك شأن كل السور المكية‏.‏
من أوجه الإعجاز الإنبائي والتاريخي في ذكر القرآن الكريم لرجل من قوم موسي اسمه قارون‏:‏
جاء ذكر قارون أربع مرات في ثلاث من سور القرآن الكريم‏,‏ منها مرتان في سورة القصص التي أوردت سيرته‏,‏ ومرة واحدة في كل من سورتي العنكبوت‏(39),‏ وغافر‏(34)‏ وكلاهما جمع بين قارون وكل من فرعون وهامان مؤكدا معاصرته لهما‏,‏ ووقوفه إلي جانب كل منهما‏.‏ وذلك علي النحو التالي‏:‏
(‏ إن قارون كان من قوم موسي فبغي عليهم وآتيناه من الكنوز ما إن مفاتحه لتنوء بالعصبة أولي القوة إذ قال له قومه لا تفرح إن الله لا يحب الفرحين‏*‏ وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا وأحسن كما أحسن الله إليك ولا تبغ الفساد في الأرض إن الله لا يحب المفسدين قال إنما أوتيته علي علم عندي أو لم يعلم أن الله قد أهلك من قبله من القرون من هو أشد منه قوة وأكثر جمعا ولا يسأل عن ذنوبهم المجرمون‏*‏ فخرج علي قومه في زينته قال الذين يريدون الحياة الدنيا يا ليت لنا مثل ما أوتي قارون إنه لذو حظ عظيم‏*)(‏ القصص‏:79,76).‏
‏‏(‏ ولقد أرسلنا موسي بآياتنا وسلطان مبين‏*‏ إلي فرعون وملئه فاتبعوا أمر فرعون وما أمر فرعون برشيد‏*)(‏ غافر‏:24,23).‏

(‏ وقارون وفرعون وهامان ولقد جاءهم موسي بالبينات فاستكبروا في الأرض وما كانوا سابقين‏*).‏(‏ العنكبوت‏:39).
‏ويفهم من هذه الآيات أن قارون كان من قوم موسي‏(‏ أي من بني إسرائيل‏),‏ وأنه بغي علي قومه بمنافقته لفرعون ومناصرته والوقوف بجانبه‏,‏ برغم طغيان لفرعون وتجبره علي بني إسرائيل‏,‏ وأن الله تعالي قد ابتلي قارون بفيض من الأموال مما جعل ثروته مضرب الأمثال‏,‏ وقد أغراه هذا المال الوفير بالتكبر علي قومه‏,‏ وبالتفاخر عليهم بأنفس الثياب وأغلي الزينة‏,‏ بالتجبر والطغيان والفساد‏,‏ فخسف الله به وبداره الأرض‏,‏ وجعله عبرة لكل مختال بماله‏,‏ مغرور بثروته‏,‏ مستغل لما أعطاه الله من خير في الإفساد في الأرض والبطش بالخلق‏,‏ وما أكثرهم عبر التاريخ‏!‏ وما أكثر تشوق الناس إلي الغني‏,‏ وفتنتهم بالمال‏!‏ ولذلك تستمر الآيات في سورة القصص يقول ربنا تبارك وتعالي ‏:(‏ وقال الذين أوتوا العلم ويلكم ثواب الله خير لمن آمن وعمل صالحا ولا يلقاها إلا الصابرون‏*‏ فخسفنا به وبداره الأرض فما كان له من فئة ينصرونه من دون الله وما كان من المنتصرين‏*‏ وأصبح الذين تمنوا مكانه بالأمس يقولون ويكأن الله يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر لولا أن من الله علينا لخسف بنا ويكأنه لا يفلح الكافرون‏*).‏
‏(‏ القصص‏:82,80).‏
ومنهج القرآن الكريم في استعراض قصص الأولين يركز علي الدروس والعبر المستفادة من القصة‏,‏ دون تحديد لمكانها ولا لزمانها إلا لضرورة‏,‏ ودون تفصيل لأنساب الأفراد المذكورين فيها إلا بالقدر اللازم للعبرة‏.‏
وفي استعراض هذا الكتاب العزيز لقصة قارون اكتفي بذكر أنه كان من قوم موسي عليه السلام فبغي عليهم‏,‏ دون الدخول في تفاصيل درجة قرابته من موسي عليه السلام ولا أشكال البغي الذي اقترفه في حق قومه‏,‏ مؤكدا أنه عاش في زمن هذا النبي‏,‏ وأنه كان مقربا من كل من فرعون وهامان لذكر القرآن الكريم لثلاثتهم في موضعين من مواضعه‏(‏ العنكبوت‏:39;‏ وغافر‏:24).‏ ومؤكدا أن قارون هذا كان متكبرا متغطرسا متجبرا بماله‏,‏ فخورا بكنوزه‏,‏ مفسدا في الأرض‏.‏
والقصة كما أوردتها سورة القصص أدت الهدف من استعراض القرآن الكريم لها‏,‏ وقررت المبادئ‏,‏ والقيم‏,‏ والقواعد التي جاءت القصة لتقريرها‏,‏ ومن أهمها النهي عن البطر‏,‏ وعن سوء استخدام النعم‏,‏ وعن الاستعلاء والكبر‏,‏ وعن الطغيان والبغي‏,‏ وعن الخيلاء والفخر عند إفاضة الله سبحانه وتعالي بالمال علي عبد من عباده‏,‏ لأن في ذلك جحودا بالنعمة‏,‏ وعدم أداء لحقها بدوام الشكر عليها‏,‏ مما يستلزم زوالها‏,‏ ويحتم البوار والخسران في الدنيا‏,‏ والعذاب في الآخرة بسبب ذلك البطر‏.‏
وسورة القصص حددت شخص قارون‏,‏ وحددت قومه بأنهم كانوا من بني إسرائيل‏,‏ وأكدت بأنه بغي عليهم بثرائه كما يبغي غير المؤمنين من الأثرياء في كل زمان ومكان‏,‏ وأنه تكبر عليهم بجاهه وسلطانه‏,‏ وعاون كلا من فرعون وهامان في إذلالهم واستعبادهم وتسخيرهم‏,‏ نفاقا ورياء‏,‏ من أجل المحافظة علي ثروته والتي وصفت بأنها كانت كنوزا‏;‏ والكنز هو المخبوء المدخر من المال الفائض عن الاستعمال والتداول‏,‏ ووصف ضخامة تلك الكنوز بأن حمل مفاتيحها كان يعجز المجموعة من أشداء الرجال‏.‏
وكطبيعة الفطرة الطيبة التي فطر الله عباده عليها‏,‏ وانطلاقا من حتمية الصراع بين الحق والباطل وجد قارون من عقلاء قومه من حاول رده عن بغيه‏,‏ وإفهامه حقيقة رسالته في هذه الحياة الدنيا‏,‏ وحتمية خروجه منها‏,‏ وفي ذلك تقول الآيات‏:(...‏ إذ قال له قومه لا تفرح إن الله لا يحب الفرحين‏*‏ وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا وأحسن كما أحسن الله إليك ولا تبغ الفساد في الأرض إن الله لا يحب المفسدين‏*)(‏ القصص‏:77,76).‏
والفرح المنهي عنه هذا هو الفرح المطغي‏,‏ والاستعلاء الكاذب الذي يغري صاحب المال بالتكبر علي الخلق‏,‏ وبالتنكر للخالق‏,‏ وبالإحساس بقوة المال التي يملؤه الشيطان بها ويغريه بسوء استغلالها‏,‏ فلا يعطي للمال حقه‏,‏ ولا يحسن توظيفه‏,‏ بل يسخره في الإفساد دون الإصلاح‏,‏ وفي التكبر والاغترار بالنعمة والزهو بها‏,‏ بدلا من شكر المنعم عليها‏;‏ وفي الشعور الكاذب الذي يمليه الغرور المحض بأنه قد اكتسبها بعلمه وذكائه وقدرته‏,‏ حتي ينسيه فضل المنعم عليه بها‏,‏ كما ينسيه واجب الشكر عليها‏,‏ ويبقيه في بطر وأشر وبخل مذل أو إسراف مخل‏,‏ مما يشقيه في الدنيا ويهينه بالعذاب في الآخرة‏.‏
ودين الله لا يحرم الاست الحلال بالمال الحلال‏,‏ في شئ من التوسط والاعتدال‏.‏
ولكن قارون لم يعترف بأن ما كان يرفل فيه من نعمة هي فضل ربه‏,‏ فنسب الفضل زورا لنفسه‏,‏ ويسجل القرآن الكريم ذلك علي لسانه بقول ربنا تبارك وتعالي ‏:‏
(‏ قال إنما أوتيته علي علم عندي أو لم يعلم أن الله قد أهلك من قبله من القرون من هو أشد منه قوة وأكثر جمعا ولا يسأل عن ذنوبهم المجرمون‏*).(‏ القصص‏:78).‏
وتعرض الآيات في سورة القصص إلي جانب من انبهار غالبية الناس بماديات هذه الحياة الدنيا‏,‏ وانشغالهم بها‏,‏ وإلي وجود نفر من العقلاء الصالحين الذين يعلمون أن الدنيا هي مجرد قنطرة إلي الآخرة‏,‏ ورحلة قصيرة إليها‏,‏ وفي ذلك تقول‏:‏
(‏فخرج علي قومه في زينته قال الذين يريدون الحياة الدنيا يا ليت لنا مثل ما أوتي قارون إنه لذو حظ عظيم‏*‏ وقال الذين أوتوا العلم ويلكم ثواب الله خير لمن آمن وعمل صالحا ولا يلقاها إلا الصابرون‏*).(‏ القصص‏:80,79).‏
ولما لم يجد نصح الناصحين عند قارون‏,‏ بل زاده طغيانا وتجبرا وغرورا‏,‏ شاءت إرادة الله تعالي أن يضع حدا لغروره‏,‏ وأن يجعل من سيرته عبرة للناس إلي قيام الساعة‏ فخسف به وبداره الأرض‏,‏ وفي ذلك تقول الآيات‏:‏
(‏فخسفنا به وبداره الأرض فما كان له من فئة ينصرونه من دون الله وما كان من المنتصرين‏*‏ وأصبح الذين تمنوا مكانه بالأمس يقولون ويكأن الله يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر لولا أن من الله علينا لخسف بنا ويكأنه لا يفلح الكافرون‏*).‏
(‏ القصص‏:82,81).‏
وتأتي العبرة من استعراض قصة قارون مع قومه في التأكيد علي أن ما يمن الله تعالي به من رزق علي عبد من عباده ليس دليل الرضا عنه‏,‏ ولا أن التضييق في الرزق علي عبد من عباد الله هو دليل عدم الرضا عنه‏,‏ لأن الله تعالي يقسم الرزق بين عباده بعلمه وحكمته وقدرته‏,‏ وبمعايير قد لا يستطيع البشر إدراكها‏.‏ ولو كانت السعة في الرزق تعبر عن رضا الله تعالي علي العبد ما كان مصير قارون بالصورة المدمرة التي أجراها عليه ربنا تبارك وتعالي وقارون لم يعلن كلمة الكفر‏,‏ ولكن اغتراره الشديد بماله إلي حد البطر‏,‏ ونسبته ذلك إلي ما عنده هو من العلم‏,‏ تنكرا لفضل المنعم وشدة ما أنزل به من عقاب جعل الذين شاهدوا عملية الخسف به وبداره يضعونه في صفوف الكافرين بأنعم الله‏.‏
ونختتم قصة قارون في سورة القصص بقول ربنا تبارك وتعالي ‏ (‏ تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا والعاقبة للمتقين‏*‏ من جاء بالحسنة فله خير منها ومن جاء بالسيئة فلا يجزي الذين عملوا السيئات إلا ما كانوا يعملون‏*)(‏ القصص‏:83:84).‏
وهذه حقيقة من أهم حقائق الوجود كله‏,‏ مؤداها أن الله تعالي قد أوجدنا في هذه الحياة الدنيا للابتلاء بالامتحان والاختبار وهو أعلم بنا من علم كل فرد منا بنفسه ولكن ليقيم الحجة علي كل واحد من عباده المكلفين بعمله في الأرض‏,‏ حتي يشهده في الآخرة علي نفسه بعمله‏,‏ ويثبت له استحقاقه الخلود في الجنة أو في النار‏,‏ ولذلك قال سبحانه وتعالي ‏:‏
(‏تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا والعاقبة للمتقين‏*)‏
(‏ القصص‏:83).
‏ومن معاني ذلك أن علي الإنسان ذلك المخلوق العاقل المكلف أن يدرك حقيقة وجوده في الحياة الدنيا والتي تتلخص في كونه عبدا لخالق عظيم‏,‏ خلقه بقدرته‏,‏ وحدد له رسالته في مجالين‏:‏ أولهما عبادة الله تعالي بما أمر‏,‏ وثانيهما حسن القيام بواجب الاستخلاف في الأرض بعمارتها وإقامة شرع الله وعدله فيها‏.‏
ومن عرض القرآن الكريم لقصة قارون الذي كان من قوم موسي فبغي عليهم‏,‏ وداهن كلا من فرعون وهامان‏,‏ وآتاه الله تعالي ثروة طائلة من المال فلم يؤد حقها‏,‏
نستخلص من الدروس ما يلي‏:‏
‏(1)‏ إن البغي علي الخلق والإفساد في الأرض من الأمور المحرمة في دين الله‏.‏
‏(2)‏ إن الغرور بوفرة المال أو الجاه أو السلطان هو من وساوس الشيطان‏,‏ وعليه فإنه يجب علي كل من وهبه الله نصيبا منها أن يكون حذرا كل الحذر من الوقوع في حبائل الشيطان الذي يغريه دوما بالكبر الكاذب‏,‏ والاستعلاء المكروه من الله ومن الناس‏.‏
‏(3)‏ علي كل عاقل أن يوظف ما أعطاه الله من إمكانات في تحقيق مكاسب له في الآخرة‏,‏ وليس معني ذلك إهمال دنياه‏,‏ فإن النجاح الصالح في الدنيا هو من مفاتيح الجنة‏,‏ والمتع الحلال فيها بما وهب الله عبده من مال هي حلال كلها‏,‏ مالم يكن في ذلك شيء من المبالغة المفسدة‏,‏ مع الحرص علي إخراج حق الله في المال‏,‏ وإنفاقه في مصارفه الصحيحة بغير تقتير ولا إتلاف‏.‏
‏(4)‏ إن الإفساد في الأرض هو من المعاصي التي لا يرضاها الله تعالي من عباده الذين استخلفهم فيها‏,‏ وسوف يسائلهم عن كل ما فعلوه في حياتهم عليها‏.‏
‏(5)‏ إن البشرية عبر تاريخها الطويل انقسمت بين مؤمنين وكافرين‏,‏ موحدين ومشركين‏,‏ مستقيمين علي منهج الله وخارجين عنه‏,‏ وعلي الذين أكرمهم الله تعالي بالعلم أن يجتهدوا في نصيحة التائهين الضالين من بني آدم‏,‏ وما أكثرهم اليوم‏!‏
‏(6)‏ إن عاقبة الخروج علي منهج الله هي الدمار في الدنيا‏,‏ والعذاب في الآخرة‏.‏
‏(7)‏ إن فتنة الناس ببهرجة الحياة الدنيا هي من أسلحة الشيطان في إغوائه للإنسان‏,‏ ولكن العقلاء من بني آدم يدركون أن ثواب الله خير لمن آمن وعمل صالحا‏.‏
‏(8)‏ إن التكبر بالمال أو الجاه أو السلطان عقابه في الدنيا شديد‏,‏ وفي الآخرة أشد‏,‏ وليس له من دون الله من دافع‏.‏
‏(9)‏ لابد من الإيمان بأن الله تعالي هو الذي يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر‏,‏ وأن بسط الرزق ليس معناه دوما رضاء الله‏,‏ ولا أن قبض الرزق معناه دوما سخط الله‏.‏
‏(10)‏ إن الدنيا الفانية هي دار ابتلاء واختبار وامتحان‏,‏ وإن الآخرة الباقية هي دار مكافأة وجزاء وعطاء للمتقين الذين لا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا‏.‏
‏(11)‏ إن من كرم الله تعالي وعدله أن العبد الذي يأتي بالحسنة‏(‏ من الإيمان والعمل الصالح‏)‏ له من ربه ثواب مضاعف أضعافا كثيرة‏,‏ والذي يأتي بالسيئة‏(‏ من الكفر أو الشرك أو ارتكاب المعاصي‏)‏ فلا يجزي إلا بمثل ما عمل من السوء‏.‏
ويبقي ذكر القرآن الكريم لقصة قارون وجها من أوجه الإعجاز الإنبائي والتاريخي في كتاب الله‏,‏ وذلك لقدم القصة في التاريخ‏(‏ الألفية الثانية قبل الميلاد‏)‏ ولأن أيا من كتب الأولين لم يشر إلي قارون أو يذكر شيئا عن قصته‏,‏ فالحمد لله علي نعمة الإسلام‏,‏ والحمد لله علي نعمة القرآن‏,‏ والحمد لله علي بعثة خير الأنام وبارك عليه وعلي آله وصحبه ومن تبع هداه ودعا بدعوته إلي يوم الدين وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين‏.‏







من مواضيع زهرة الداليا في المنتدى

قديم 04-17-2011, 01:34 PM رقم المشاركة : 9
زهرة الداليا  
المشرفه العامه سابقا

الصورة الرمزية زهرة الداليا








زهرة الداليا غير متواجد حالياً


افتراضي رد: تحميل مجموعة كتب الدكتور زغلول النجار

من أسرار القرآن
‏(‏ولقد آتينا لقمان الحكمة أن اشكر لله ومن يشكر فإنما يشكر لنفسه ومن كفر فإن الله غني حميد‏)‏


هذا النص القرآني الكريم جاء في أوائل الثلث الثاني من سورة لقمان‏,‏ وهي سورة مكية‏,‏ وآياتها أربع وثلاثون‏(34)‏ بعد البسملة‏.‏ وقد سميت بهذا الاسم لورود الإشارة فيها إلي العبد الصالح المعروف باسم لقمان الحكيم أو الحكيم لقمان‏.

وهو شخصية لا يعرف المؤرخون شيئا عنها‏,‏ وإن اعترفوا من وصف القرآن الكريم له في هذه السورة التي سميت باسمه بأنه كان من مؤمني زمانه‏,‏ لدعوته إلي التوحيد الخالص لله تعالي وإلي الالتزام بمكارم الأخلاق‏,‏ وأنه كان معروفا بالحكمة‏.‏
ويدور المحور الرئيسي لسورة لقمان حول عدد من ركائز العقيدة الإسلامية‏,‏ والضوابط الأخلاقية والسلوكيات المميزة للعبد المؤمن‏,‏ وحول تأكيد جزاء المحسنين الملتزمين بأوامر الله تعالي وهم الناجحون في الدنيا‏,‏ والناجون في الآخرة‏,‏ كما سجلت جزاء الخارجين عن أوامر الله وهدايته‏,‏ وهم الضائعون في الدنيا‏,‏ والهالكون في الآخرة‏.‏ واستشهدت السورة في هذا السياق بعدد من الآيات الكونية الدالة علي طلاقة القدرة الإلهية المبدعة في الخلق‏,‏ والشاهدة للخالق سبحانه وتعالي بالألوهية‏,‏ والربوبية‏,‏ والخالقية‏,‏ والوحدانية المطلقة فوق جميع خلقه‏,‏ والمؤكدة علي حتمية الأخرة وما فيها من البعث‏,‏ والحشر‏,‏ والحساب‏,‏ والجزاء‏.‏ وختمت سورة قمان بالإشارة إلي عدد من أمور الغيب التي لا يعلمها إلا الله‏.‏
نركز هنا علي لمحة الإعجاز الإنبائي والتاريخي في إشارة القرآن الكريم إلي شخص لا يعرف المؤرخون شيئا عنه وهو لقمان الحكيم‏,‏ وإن كان قد شاع ذكره في التراث العربي القديم‏.‏
من أوجه الإعجاز الانبائي والتاريخي في ذكر القرآن الكريم للعبد الصالح لقمان الحكيم
سمي ربنا تبارك وتعالي إحدي سور كتابه الكريم باسم سورة لقمان‏,‏ وهي السورة الحادية والثلاثون في ترتيب سور المصحف الشريف‏,‏ وفي ست آيات من آيات هذه السورة الكريمة جاء ذكر لقمان في موضعين علي النحو التالي‏:‏
‏(1)‏ ولقد آتينا لقمان الحكمة أن اشكر لله ومن يشكر فإنما يشكر لنفسه ومن كفر فإن الله غني حميد وإذ قال لقمان لابنه وهو يعظه يا بني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم‏(‏ لقمان‏14,13).‏
وبعد آيات قليلة من هذه السورة المباركة يقول ربنا تبارك وتعالي علي لسان لقمان لابنه‏:‏
‏(2)‏ يا بني إنها إن تك مثقال حبة من خردل فتكن في صخرة أو في السموات أو في الأرض يأت بها الله إن الله لطيف خبير يا بني أقم الصلاة وأمر بالمعروف وانه عن المنكر واصبر علي ما أصابك إن ذلك من عزم الأمور ولا تصعر خدك للناس ولا تمش في الأرض مرحا إن الله لا يحب كل مختال فخور واقصد في مشيك واغضض من صوتك إن أنكر الأصوات لصوت الحمير‏(‏ لقمان‏:16‏ ‏19).‏
وكطبيعة القرآن الكريم وهو في الأصل كتاب هداية فإنه في عرض سيرة نبي من الأنبياء أو صالح من الصالحين أو طالح من الطالحين من بني آدم‏,‏ أو في استعراضه لقصة أمة من الأمم الغابرة فإنه يركز علي الدروس والعبر المستقاة من كل موقف من تلك المواقف‏,‏ ولا يشغل قارئ القرآن بالتفاصيل التي لا تفيد من مثل ذكر نسب كل من الأشخاص‏,‏ أو أسماء الأماكن التي عاش فيها‏,‏ أو التواريخ التي مر بها‏,‏ لأن هذا كله خارج عن رسالة هذا الكتاب العزيز‏,‏ والتي تتلخص في الهداية الربانية للخلق المكلفين‏.‏
وتقرر الآيات في سورة لقمان أن هذا الشخص الذي سميت باسمه هذه السورة الكريمة كان عبدا صالحا من عباد الله‏,‏ آتاه الله الحكمة‏,‏ والحكمة هي إصابة الحق بالعلم والعقل‏,‏ والحكمة إذ نسبت إلي الله تعالي كان من معانيها إيجاد الأشياء من العدم علي غاية من الإتقان والإحكام‏,‏ وإحاطة علم الله بكل شيء إحاطة تامة وكاملة‏.‏ والحكمة إذا نسبت إلي الإنسان كان من معانيها عمق الإيمان بالله الواحد الأحد‏,‏ الفرد الصمد الذي‏(‏ لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد‏)‏ وتنزيهه عن جميع صفات خلقه وعن كل وصف لا يليق بجلاله‏,‏ وعدم إشراك أحد في عبادته‏,‏ وشمول المعرفة‏,‏ والالتزام بمكارم الأخلاق‏,‏ والحرص علي حسن العلاقة مع خلق الله‏,‏ والإكثار من فعل الخيرات‏,‏ وهكذا كان لقمان‏,‏ لأن هذا هو الوصف الذي وصف به القرآن العبد الصالح لقمان في قول ربنا تبارك وتعالي‏:‏ ‏(‏ ولقد آتينا لقمان الحكمة أن اشكر لله ومن يشكر فإنما يشكر لنفسه ومن كفر فإن الله غني حميد‏).(‏ لقمان‏:12).‏
ومن سمات هذه الحكمة البشرية أن يدرك العبد منا أن له خالقا عظيما خلقه من طين‏,‏ ونفخ فيه من روحه‏,‏ وزوده بكل الأجهزة اللازمة لحياته‏,‏ وهيأ له الأرض والسماوات من حوله‏,‏ رها له‏,‏ وخلق له جميع المخلوقات اللازمة لحياته من مختلف صور المادة والطاقة‏,‏ ومن مختلف أشكال النبات والحيوان‏,‏ وجعله سيد تلك المخلوقات جميعا‏,‏ وفضله علي كثير ممن خلق تفضيلا‏,‏ ومن هنا كان من أوجب الواجبات علي الإنسان ذلك المخلوق العاقل المكلف أن يكون شاكرا لربه‏,‏ خالقه ورازقه‏,‏ وهو رب هذا الكون ومليكه‏,‏ الذي لا شريك له في ملكه‏,‏ ولا منازع له في سلطانه ولا شبيه له من خلقه‏,‏ ومن هنا كان لزاما علي جميع المخلوقين أن يخضعوا لهذا الإله الواحد الأحد بالعبادة‏,‏ والطاعة والشكر‏,‏ وذلك لأن من أول مفاهيم الحكمة أن يكون من أوتيها من الخلق المكلف‏,‏ شاكرا لأنعم الله‏.‏ فبالشكر تدوم النعم‏,‏ وبالجحود والنكران يتحتم زوالها‏.‏ وشكر العبد لله تعالي خيره مردود علي الشاكرين‏,‏ لأن الله سبحانه وتعالي غني بذاته عن جميع خلقه‏,‏ وهو محمود بذاته وإن لم يحمده أحد من خلقه المكلف‏,‏ وذلك لأن جميع خلقه غير المكلف لا يفتر عن ذكره ولا عن تسبيحه وحمده وشكره ولذلك قال تعالي في محكم كتابه‏(‏ تسبح له السموات السبع والأرض ومن فيهن وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم إنه كان حليما غفورا‏)(‏ الإسراء‏:44).‏
من هنا فإن العبد المكلف إن لم يشكر الله علي نعمه العديدة كان هو الخاسر الحقيقي ولذلك‏.‏
ختمت الآية الكريمة بقول ربنا تبارك وتعالي ولقد آتينا لقمان الحكمة أن اشكر لله ومن يشكر فإنما يشكر لنفسه ومن كفر فإن الله غني حميد‏)(‏ لقمان‏:12).‏
وهذا هو أول الدروس المستفادة من استعراض القرآن الكريم لقصة لقمان الحيكم
والدرس الثاني‏:‏ المستفاد من سيرة لقمان الحكيم هو ضرورة التوحيد الكامل لله الخالق سبحانه وتعالي ولذلك جاءت الآية التالية مباشرة بقول الحق جل جلاله‏وإذ قال لقمان لابنه وهو يعظه يابني لاتشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم‏)(‏ لقمان‏:13)‏
والتوحيد الكامل لله الخالق‏,‏ وتنزيهه عن جميع صفات خلقه‏,‏ وعن كل وصف لا يليق بجلاله هو ركن العقيدة الإسلامية وركيزة الإيمان بالله تعالي ولذلك حرم ربنا تبارك وتعالي وقوع عبد من عباده المكلفين في الشرك تحريما قاطعا‏,‏ وحذر من المخاطر الوخيمة لذلك في مواضع كثيرة من محكم كتابه منها قوله تعالي‏:‏
‏(1)(‏ إن الله لايغفر أن يشرك به ويغفر مادون ذلك لمن يشاء ومن يشرك بالله فقد افتري إثماء عظيما‏)(‏ النساء‏:48).‏
وفي الحديث القدسي يقول الحق تبارك وتعالي‏:...‏ وإني خلقت عبادي حنفاء كلهم‏,‏ وانتابتهم الشياطين‏,‏ فاجتالتهم عن دينهم‏,‏ وحرمت عليهم ما أحللت لهم‏..(‏ المعجم الكبير للطبراني‏/992).‏
ويروي لنا ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله قال‏:‏ كان بين آدم ونوح عشرة قرون كلهم علي شريعة الحق‏(‏ أخرجه الحاكم في المستدرك‏),‏ ويفسر ابن عباس هذا الحديث بقوله‏:‏ إن رجالا صالحين من قوم نوح هلكوا فوسوس الشيطان الي قومهم أن انصبوا الي مجالسهم التي كانوا يجلسون فيها أنصابا وسموها بأسمائهم ففعلوا فلم تعبد‏,‏ حتي إذا هلك أولئك‏,‏ وتنسخ العلم عبدت‏(‏ صحيح البخاري‏).‏
ثم جاء الدرس الثالث المستفاد من مواعظ لقمان لابنه مؤكدا إحاطة علم الله بكل شيء‏,‏ ومراقبته لعباده مراقبة كاملة وذلك في قوله تعالي علي لسان لقمان لابنه‏:‏
‏(‏يا بني إنها إن تك مثقال حبة من خردل فتكن في صخرة أو في السموات أو في الأرض يأت بها الله إن الله لطيف خبير‏)(‏ لقمان‏:16)‏
بمعني أن أعمال الناس من الحسنات أو السيئات مهما تضاءلت في الصغر‏,‏ أو تعاظمت في الاختفاء في أي مكان من السماوات أو الأرض فإن الله تعالي قادر علي إظهارها والمحاسبة عليها لأنه تعالي لايخفي عليه شيء في الأرض ولا في السماء‏,‏ وذلك أيضا من ركائز العقيدة الإسلامية‏.‏
ويأتي الدرس الرابع من الدروس المستفادة من وصية لقمان لابنه مؤكد علي إقامة الصلاة‏(‏ وهي عماد الدين‏),‏ وعلي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر‏,‏ وعلي ضرورة الصبر في الشدائد وأن تنعكس العبادة علي السلوك والمعاملات وفي ذلك يقول ربنا تبارك وتعالي علي لسان لقمان لابنه‏ يا بني أقم الصلاة وأمر بالمعروف وانه عن المنكر واصبر علي ما أصابك إن ذلك من عزم الأمور‏)(‏ لقمان‏:17).‏
فالهدف من العبادة هو استقامة السلوك‏,‏ والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر‏,‏ والصبر علي مايصيب الداعية الي الله من معارضة كل من أصحاب النفوس المريضة‏,‏ والقلوب الغلف المجللة بالسواد‏,‏ وأصحاب الإرادة المنحرفة المصممة علي محاربة الحق وأهله‏,‏ وعلي التعاون مع الشيطان وجنده‏,‏ ولايقوي علي مقاومة كل ذلك إلا أصحاب العزائم الذين فهموا الدين فهما صحيحا وباعوا أنفسهم لرب العالمين‏.‏
ويأتي الدرس الخامس من وصايا لقمان لابنه في النهي عن التعالي علي الخلق أو التطاول عليهم وعن المشي علي الأرض في شيء من الخيلاء والزهو‏,‏ وفي شيء من البطر والكبر‏,‏ لأن الله تعالي لايحب كل مختار فخور‏(‏ أي كل من تكبر يختال في مشيته تطاولا علي الخلق‏),‏ ولذلك جاء القرآن الكريم بهذه الوصية علي لسان لقمان لابنه التي يقول فيها‏ولاتصعر خدك للناس ولا تمش في الأرض مرحا إن الله لا يحب كل مختال فخور‏,‏ واقصد في مشيك واغضض من صوتك إن أنكر الأصوات لصوت الحمير‏)(‏ لقمان‏19,18)‏
ومن معاني‏(‏ ولا تصعر خدك للناس‏)‏ أي‏:‏ لاتمل صفحة وجهك عن الناس‏,‏ ولاتعرض عنهم كما يفعل المتكبرون‏.‏ يقال في اللغة‏‏ صعر‏)‏ خده و‏(‏صاعره‏)‏ أي أماله عن النظر الي الناس استهانة بهم وتكبرا عليهم‏.(‏ والصعر‏)‏ في الأصل داء يصيب البعير فيلوي منه عنقه‏,‏ ولذلك كني به عن التكبر والاستعلاء علي الناس واحتقارهم‏.‏
وبعد النهي عن هذه الخصال السيئة التي لايرضاها الله تعالي من عباده‏,‏ يأتي الأمر بالمشي في الأرض باعتدال وقصد‏,‏ أي في شيء من التوسط بين الإسراع والبطء‏.(‏ من القصد وهو الاقتصاد والعدل‏),‏ كما يأتي الأمر بعدم رفع الصوت فوق الحاجة‏,‏ وهو من أدب الحديث‏,‏ ومن معالم ثقة المتحدث بنفسه‏,‏ واطمئنانه الي صدق حديثة‏,‏ والقرآن الكريم يقبح ارتفاع الصوت بغير ضرورة وذلك بتعبير‏(‏ إن أنكر الأصوات لصوت الحمير‏)‏ و‏(‏ الغض‏)‏ من الصوت هو خفضه الي مستوي الحاجة‏,‏ وكفه عن إيذاء مسامع الآخرين‏,‏ وهو من مكارم الأخلاق‏,‏ ونقيض ذلك رفع الصوت الي أعلي نبراته بغير حاجة الي ذلك وهو من الأمور القبيحة المذمومة مما جعل القرآن الكريم يشبهها بنهيق الحمير لما فيه من العلو المفرط بين الشهيق والزفير‏,‏ وذلك من الفزع الذي ينتابها عند رؤية الشياطين‏,‏ وذلك لقول رسول الله ‏ إذا سمعتم صياح الديكة فاسألوا الله من فضله فإنها رأت ملكا‏,‏ وإذا سمعتم نهيق الحمار فتعوذوا بالله من الشيطان الرجيم فإنه رأي شيطانا‏)(‏ أخرجه من أئمة الحديث كل من البخاري ومسلم والترمذي‏).‏
ومن المعروف علميا أن أقل تردد للصوت يمكن لأذن الإنسان أن تسمعه هو‏(20)‏ هيرتز‏,‏ وأن الحديث العادي يتراوح تردده بين‏(60,50)‏ هيرتز‏,‏ وأن أعلي تردد تسمعه أذن الإنسان دون إزعاج هو‏(70)‏ هيرتز‏,‏ وحول تردد‏(120)‏ هيرتز تبدأ إذن الإنسان في الشعور بالآلام المبرحة‏,‏ وإذا تجاوز التردد‏(160)‏ هيرتز يمكن أن تتمزق طبلة أذن الإنسان بالكامل‏,‏ وإذا علمنا أن تردد نهيق الحمار يصل الي‏(350)‏ هيرتز أدركنا كم هو مؤلم لأذن الإنسان‏,‏ وأدركنا ومضة الإعجاز العلمي في هذا التشبيه‏.‏
وباستعراض هذه الدروس الخمسة من وصايا لقمان لابنه يتضح لنا منهج القرآن الكريم في استعراض سير عدد من الأنبياء والمرسلين‏,‏ وعدد من عباد الله الصالحين أو الطالحين‏,‏ وفي استعراض عدد من أمم الأولين‏,‏ فالهدف من كل ذلك هو استخلاص الدروس والعبر من تجارب إنسانية مرت ببني البشر‏,‏ ولايهم هنا تفاصيل الأسماء والأماكن والأزمنة إلا إذا استلزم الأمر ذلك‏.‏
أما لقمان الحكيم الذي سميت باسمه إحدي سور القرآن الكريم‏,‏ فكان قد أوتي الحكمة حتي اشتهر بها بين العرب‏.‏ ولذلك ذكر ابن هشام أن سويد بن الصامت قدم مكة المكرمة‏,‏ وكان كبير في قومه‏,‏ فدعاه رسول الله صلي الله عليه وسلم الي الإسلام‏,‏ فقال سويد‏:‏ فلعل الذي معك مثل الذي معي‏.‏ فقال له الرسول‏:‏ وما الذي معك؟ قال‏:‏ مجلة لقمان فقال الرسول عليه أفضل الصلاة وأزكي التسليم‏:‏ إعرضها علي‏,‏ فعرضها عليه‏,‏ فقال‏:‏ إن هذا الكلام حسن‏,‏ والذي معي أفضل منه‏,‏ قرآن أنزله الله علي هدي ونور‏,‏ وتلي عليه رسول الله شيئا من القرآن‏,‏ ودعاه الي الاسلام‏.‏
ولما لم يكن قد جاء ذكر للقمان في كتب الإولين‏,‏ فإن ذكره في القرآن الكريم‏,‏ وذكر وصاياه لابنه يعتبر وجها من أوجه الإعجاز الإنبائي والتاريخي في كتاب الله يشهد لهذا الكتاب العزيز بأنه لا يمكن أن يكون صناعة بشرية‏,‏ كما يشهد للرسول الخاتم الذي تلقاه بالنبوة وبالرسالة‏,‏ فصلي الله وسلم وبارك عليه وعلي آله وصحبه ومن تبع هداه ودعا بدعوته الي يوم الدين وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين‏.‏







من مواضيع زهرة الداليا في المنتدى

قديم 04-17-2011, 01:35 PM رقم المشاركة : 10
زهرة الداليا  
المشرفه العامه سابقا

الصورة الرمزية زهرة الداليا








زهرة الداليا غير متواجد حالياً


افتراضي رد: تحميل مجموعة كتب الدكتور زغلول النجار

من أسرار القرآن
ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب لعلكم تتقون

هذه الآية القرآنية الكريمة جاءت في نهاية الثلث الثاني من سورة‏‏ البقرة‏,‏ وهي سورة مدنية‏,‏ وآياتها مائتان وست وثمانون‏(286)‏ بعد البسملة‏,‏ وهي أطول سور القرآن الكريم علي الإطلاق‏.
وقد سميت بهذا الاسم لورود الإشارة فيها إلي معجزة أجراها ربنا‏-‏ تبارك وتعالي‏-‏ علي يدي عبده ونبيه موسي بن عمران‏-‏علي نبينا وعليه من الله السلام‏-‏ وذلك حين تعرض شخص من قومه للقتل‏,‏ ولم يعرف قاتله‏,‏ فأوحي الله‏-‏تعالي‏-‏ إلي عبده موسي أن يأمر قومه بذبح بقرة‏,‏ وأن يضربوا الميت بجزء منها فيحيا بإذن الله‏,‏ ويخبر عن قاتله‏,‏ ثم يموت‏,‏ وذلك إحقاقا للحق‏,‏ وشهادة لله‏-‏ سبحانه وتعالي‏-‏ بالقدرة علي إحياء الموتي‏.‏
ويدور المحور الرئيسي لسورة‏‏ البقرة‏‏ حول قضية التشريع الإسلامي‏,‏ في العبادات والأخلاق والمعاملات‏,‏ مع الإشارة إلي ركائز العقيدة الإسلامية بين ثنايا التشريع‏,‏ وإلي العديد من قصص السابقين‏,‏ وحقائق الكون‏.‏
من أوجه الإعجاز التشريعي في فرض القصاص
جاءت لفظة‏(‏ القصاص‏)‏ في القرآن الكريم في أربع آيات منها‏:‏
1- الشهر الجرام بالشهر الحرام و الحرمات قصاص فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم و اتقوا الله و اعلموا أن الله مع المتقين ( البقرة : 194 )
2‏ وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس والعين بالعين والأنف بالأنف والأذن بالأذن والسن بالسن والجروح قصاص فمن تصدق به فهو كفارة له ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون (‏ المائدة‏:45).‏
و‏(‏القصاص‏)‏ لغة هو المساواة‏,‏ وهو التتبع من أجل تحقيق تلك المساواة‏,‏ واللفظة مأخوذة من القصة والقصص بمعني تتبع الأخبار‏,‏ ومن قص الأثر بمعني تتبع صاحبه‏,‏و‏(‏القصاص‏)‏ شرعا هو تتبع الدم بالقود‏,‏ بمعني أن يعاقب المجرم بمثل فعله‏,‏ فيقتل كما قتل‏,‏ إذا كان قد قتل عمدا‏,‏ ويجرح كما جرح إذا كان قد جرح عمدا‏,‏ وذلك من منطلق المساواة بين الجريمة والعقاب‏.‏
والقصاص هو جزاء وفاق للجريمة المتعمدة يقوم به ولي الأمر أو من ينيب عنه‏,‏ وليس المجني عليه أو وليه‏,‏ فالقتل اعتداء علي النفس الإنسانية‏,‏ ومن العدالة أن يقتص ولي الأمر‏(‏ أو من ينيب عنه‏)‏ من القاتل المتعمد بمثل فعله‏,‏ ولا يجوز ترك ذلك لولي الدم وإلا عمت الفوضي كما لا يجوز تعطيل القصاص بدعوي الرحمة بالجاني‏,‏ لأن القاتل إذا كان قد حرم أحدا من الحياة فمن العدل المطلق أن يحرم منها‏,‏ وذلك انتقاما للمقتول‏,‏ وشفاء لغيظ قلب وليه‏,‏ وبالتالي يتم الحفاظ علي حياة المجتمع كله‏..‏ ولذلك قال‏_‏ تعالي‏-‏ ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب لعلكم تتقون‏(‏ البقرة‏:179).‏
من هنا تتضح الحكمة من فرض القصاص حتي لا تسود الفوضي في المجتمعات الإنسانية وتنتشر فيها اضطرابات القتل والقتل المضاد‏(‏ أي الأخذ بالثأر‏)‏ في دوامات مهددة لسلامة المجتمع وأمنه‏,‏ تضيع فيها أرواح الأبرياء بالعشرات إن لم يكن بالمئات‏,‏ ولا تنتهي إلا بالقضاء العادل بين الناس وذلك بتطبيق القصاص‏.‏
ومن أوجه الإعجاز التشريعي في الآية الكريمة التي نحن بصددها ما يلي‏:‏
‏(1)‏ أن فائدة تطبيق القصاص تشمل المجتمع كله وليست مقصورة علي أولياء الدم‏,‏ ومن هنا جاء الخطاب إلي الجماعة بتعبير‏(‏ ولكم‏).‏
‏(2)‏ أن القصاص يضمن المساواة بين الجريمة والعقوبة‏,‏ مما يجعله مانعا قويا لاطراد الجريمة في المجتمع‏,‏ ويجعل منه سدا منيعا أمام إهدار الدماء الذي يهدد حياة الجماعة بالفناء في عمليات من الثأر المتبادل‏.‏
‏(3)‏ أن إيراد لفظة‏(‏ حياة‏)‏ بغير‏(‏ أل‏)‏ التعريفية هو من قبيل التأكيد علي أن الحياة الآمنة من الجريمة هي الحياة الحقيقية‏,‏ فمن عرف أنه إذا قتل عامدا فإنه سوف يقتل فإنه بالقطع سوف يحافظ علي حياة غيره صونا لحياته هو‏,‏ وسوف يتردد ألف مرة إذا سولت له نفسه الإقدام علي جريمة قتل‏.‏
‏(4)‏ أن الخطاب في الآية الكريمة موجه إلي أولي الألباب أي‏:‏ أولي العقول والنهي‏,‏ وذلك للتأكيد علي أن الحكمة من هذا التشريع الإلهي لا يدركها إلا عقلاء الناس من أصحاب البصيرة الذين يعلمون أن أمن الجماعة هو أمن لكل فرد فيها‏,‏ ومن هنا كانت التضحية بفرد مجرم فيه سلامة الجميع‏,‏ وهذا جانب واحد من حكمة تشريع القصاص‏.‏
‏(5)‏ أن قيام ولي الأمر‏(‏ أو من ينيب عنه‏)‏ بتنفيذ القصاص فيه حفظ لأمن وسلامة المجتمع‏,‏ وصون لدماء الأبرياء من أفراده‏,‏ لأنه إن لم يقم بذلك ولي الأمر بدأت دوامة الثأر والثأر المضاد التي قد لا تتوقف لعدد من الأجيال المتتابعة التي يعين شياطين الإنس والجن علي إشعال الفتن فيها‏.‏
وهذا النوع من القصاص يؤكد اهتمام الإسلام بالنفس الإنسانية‏,‏ وتحريمه إيذائها بالقتل أو بالتشويه‏,‏ لأن الإنسان في الإسلام مخلوق مكرم‏,‏ ولأن الحق في الحياة الآمنة هو حق ثابت لكل فرد في المجتمع الإنساني‏,‏ وعلي كل معتد أن يلقي جزاءه من نفس العمل‏.‏ فإذا علم الفرد في المجتمع أنه إذا أقدم عامدا متعمدا علي قطع يد فرد آخر في المجتمع فإن يده سوف تقطع كان في ذلك رادعا كافيا لمنعه من ارتكاب تلك الجريمة‏.‏
كذلك يشرع القصاص في كل من اللطمة والضربة والسبة‏,‏ وفي غير ذلك من الأضرار التي قد يتعرض لها الفرد قي المجتمع وذلك بشرط المكافأة والمساواة في تطبيق القصاص‏,‏ علي ألا يتسبب ذلك في ضرر أكبر‏.‏ ويشترط في قصاص السب ألا يكون بشيء محرم‏.‏ والقصاص لا يكون إلا في العدوان المقصود المتعمد‏,‏ ولا يتحقق ذلك إلا ممن كان كامل الأهلية‏,‏ حر الإرادة‏,‏ علي ألا يكون الفعل بحق‏,‏ أي أن يكون للفاعل حق فيما أقدم عليه مما قررته الشريعة الإسلامية‏,‏ كأن يكون القتل دفاعا عن النفس أو المال أو العرض‏.‏
وفي القصاص لا يقتل القاتل إلا بعد أخذ رأي أهل القتيل فيه‏,‏ فإن طلبوا قتله أمر ولي الأمر بقتله‏,‏ ويكون القتل كفارة له‏,‏ وإن عفوا عنه أمر ولي الأمر بالعفو عنه بعد أن يدفع الدية‏(‏ التعويض المادي‏),‏ وعليه الكفارة‏,‏ وهي عتق رقبة مؤمنة‏,‏ فإن لم يجد فعليه صوم شهرين متتابعين‏.‏
ويثبت الحق في القصاص باعتراف القاتل‏,‏ أو بشهادة رجلين يعرف عنهما الصلاح والتقوي‏.‏ وقد فصل الأخ الكريم الدكتور السيد مصطفي أحمد أبو الخير الخبير في القانون الدولي قضية القصاص في مقاله المعنون‏:‏ رائعة التشريع الجنائي الإسلامي في القصاص‏‏ والذي تطرق فيه إلي تفصيلات هذا الحكم الشرعي وبيان جوانب من فضله وعدله‏.‏
وفي ظل الحضارة المادية المعاصرة‏,‏ التي يقيس فيها أغلب الناس بمعاييرهم البشرية القاصرة‏,‏ حاول بعض المتعالمين التطاول علي حد القصاص‏,‏ معتبرين أن قتل النفس الإنسانية لا يليق أن يمارسه المجتمع في عصر التنوير الذي يدعونه‏,‏ وهو في الحقيقة عصر الظلام‏,‏ لأن الإنسان أذا عاش بأحكامه هو‏,‏ متجاهلا أحكام خالقه‏,‏ فإنه لا يمكنه أبدا أن يري النور أو أن يحقق العدالة الاجتماعية‏.‏
وانطلاقا من هذه الفلسفة المادية المحضة بدأت بعض الدول الأوروبية في إلغاء عقوبة الإعدام‏,‏ فألغت بلجيكا العقوبة عمليا في سنة‏(1863‏ م‏)‏ وتبعتها هولندا سنة‏(1870‏ م‏),‏ ثم إيطاليا‏(1890‏ م‏),‏ والنمسا‏(1918‏ م‏),‏ ثم كل من ألمانيا والدنمارك‏(1930‏ م‏),‏ وتابعتها في ذلك بقية الدول الغربية بالتدريج‏.‏ ففي سنة‏(1964‏ م‏)‏ أصدرت بريطانيا قانونا بإلغاء الإعدام
وفي مقال بعنوان‏‏ ماذا جري في البلاد التي ألغت عقوبة الإعدام؟‏‏ لخص الدكتور حافظ يوسف ما نشرته مجلة ريدرز دايجست‏(readersdgest)‏ في سنة‏(1995‏ م‏)‏ تحت عنوان‏‏ الجريمة في أمريكا هل تسير إلي الأسوأ ؟‏‏ جاء فيه‏:‏ أنه بعد عشر سنوات من دراسة الجريمة في أمريكا توصل إلي ما يلي‏:‏
‏(1)‏ أن ثلث من أدينوا بجريمة القتل في الولايات المتحدة الأمريكية كانوا من معتادي الإجرام الذين أفرج عنهم تحت نظام التعهد أو نظام الوضع تحت الرقابة‏.‏
‏(2)‏ أن الذين أفرج عنهم سنة‏(1992‏ م‏)‏ ممن أدينوا بجريمة قتل قضوا في المتوسط‏(5,9)‏ سنة فقط من متوسط أحكام بلغت‏(4,12)‏ سنة‏.‏
‏(3)‏ في مدينة نيويورك تم الإفراج المبكر عن مجرم اعتاد اغتصاب النساء بدعوي حسن سلوكه في داخل السجن‏.‏
‏(4)‏ تضاعفت فرص تعرض الفرد ليكون ضحية لجريمة عنف عدة مرات خلال السنوات الثلاثين الأخيرة‏.‏
‏(5)‏ رغم الارتفاع الرهيب لمعدل الجريمة في الولايات المتحدة الأمريكية حاليا فإن هذا المعدل يزداد سوءا باستمرار‏.‏ ففي ديسمبر‏(1996‏ م‏)‏ سجلت‏‏ هيئة العدالة للجميع‏(‏ وهي هيئة أمريكية‏)‏ علي شبكة المعلومات الدولية‏(‏ الإنترنت‏)‏ تقريرا مفصلا جاء فيه‏:‏
‏-‏ إنه خلال ثلاثين عاما‏(‏ من‏1966-1995‏ م‏)‏ وقعت خمسمائة وسبعون ألف‏(000,570)‏ جريمة قتل في الولايات المتحدة الأمريكية‏(‏ بمتوسط حوالي عشرين ألف جريمة سنويا‏)‏ لم ينفذ حكم الإعدام فيها إلا في ثلاثمائة مجرم فقط بنسبة‏(053-0%).‏
‏-‏ إنه في الفترة بين عامي‏(1973‏ م‏),(1995‏ م‏)‏ تم إصدار الحكم بإعدام‏(5700)‏ قاتل ولكن لم ينفذ الإعدام إلا في‏(230)‏ فقط من هؤلاء القتلة‏.‏
كذلك أظهر استقصاء قام به معهد جالوب‏(gallop)‏ في الولايات المتحدة الأمريكية سنة‏(1991‏ م‏)‏ أن‏(76%)‏ من الجمهور الأمريكي يحبذون تطبيق عقوبة الإعدام علي مستحقيها‏,‏ في حين يعارضها‏(18%)‏ فقط‏,‏ بينما كانت هذه النسب سنة‏(1966‏ م‏)‏ علي عكس ذلك‏,‏ فقد كان المحبذون لتطبيق عقوبة الإعدام‏(42%)‏ والمعارضون لذلك‏(47%).‏
من هذا الاستعراض يتضح لنا وجه من أوجه الإعجاز التشريعي في كتاب الله وذلك بفرض القصاص الذي قال فيه ربنا تبارك وتعالي
يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلي الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثي بالأنثي فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف وأداءي إليه بإحساني ذلك تخفيف من ربكم ورحمة فمن اعتد بعد ذلك فله عذاب أليم‏*‏ ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب لعلكم تتقون‏(‏ البقرة‏:179,178).‏
وفي ذلك يقول صاحب الظلال‏(‏ رحمه الله رحمة واسعة جزاء ما قدم‏):‏ إن الغضب للدم فطرة وطبيعة‏,‏ فالإسلام يلبيها بتقرير شريعة القصاص‏.‏ فالعدل الجازم هو الذي يكسر شره النفوس‏,‏ ويفثأ حنق الصدور‏,‏ ويردع الجاني كذلك عن التمادي‏,‏ ولكن الإسلام في الوقت ذاته يحبب في العفو‏,‏ ويفتح له الطريق‏,‏ ويرسم له الحدود‏,‏ فتكون الدعوة إليه بعد تقرير القصاص دعوة إلي التسامي في حدود التطوع‏,‏ لا فرضا يكبت فطرة الإنسان ويحملها ما لا تطيق‏.‏
من ذلك كله يتضح وجه الإعجاز التشريعي في فرض القصاص الذي يحقق للمجتمعات الإنسانية فرصة الحياة الآمنة وهي الحياة الحقة لأن الحياة بلا أمن هي عين الشقاء‏.‏
فالحمد لله علي نعمة الإسلام‏,‏ والحمد لله علي نعمة القرآن‏,‏ والحمد لله علي بعثة خير الأنام صلي الله وسلم وبارك عليه وعلي آله وصحبه ومن تبع هداه ودعا بدعوته إلي يوم الدين وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين‏.‏






من مواضيع زهرة الداليا في المنتدى

قديم 04-17-2011, 01:35 PM رقم المشاركة : 11
زهرة الداليا  
المشرفه العامه سابقا

الصورة الرمزية زهرة الداليا








زهرة الداليا غير متواجد حالياً


افتراضي رد: تحميل مجموعة كتب الدكتور زغلول النجار

من أسرار القرآن ‏
‏(‏قالوا يا ذا القرنين إن يأجوج ومأجوج مفسدون في الأرض‏.)‏



هذا النص القرآني الكريم جاء في أواخر سورة الكهف‏,‏ وهي سورة مكية‏,‏ وآياتها مائة وعشر‏(110)‏ بعد البسملة‏,‏ وقد سميت بهذا الاسم لورود الإشارة فيها إلي أصحاب الكهف‏,‏ وهم فتية مؤمنون بربهم‏.


في زمن ساد فيه الشرك بالله‏,‏ والخروج علي أوامره‏,‏ لذلك فروا بدينهم ولجأوا إلي غار في أحد الجبال المحيطة بمدينتهم‏,‏ وبقوا في هذا الغار ثلاثمائة وتسعا من السنين القمرية‏,‏ وبعد هذه الغيبة الطويلة عن الحياة من حولهم بعثهم الله تعالي بمعجزة تشهد له سبحانه وتعالي بأنه علي كل شيء قدير‏.‏
ويدور المحور الرئيسي لسورة الكهف حول قضية العقيدة الإسلامية شأنها في ذلك شأن كل السور المكية وللتأكيد علي ذلك أوردت هذه السورة المباركة ثلاث قصص‏,‏ وضربت ثلاثة أمثال من أجل استخلاص الدورس والعبر منها‏,‏ وكانت أولي هذه القصص الثلاث هي قصة أصحاب الكهف‏,‏ وكانت ثانيتها قصة نبي الله موسي والعبد الصالح‏,‏ وكانت ثالثتها قصة ذي القرنين‏.‏ وكذلك كان أول الأمثال مثل الغني المغتر بماله والفقير المعتز بإيمانه بربه‏,‏ وجاء المثل الثاني للتأكيد علي مرحلية الحياة الدنيا وعلي حتمية فنائها‏,‏ وشبه المثل ذلك بدورة إنبات النبات بعد نزول المطر‏,‏ وإثماره ونضجه‏,‏ ثم جنيه أو حصاده‏,‏ ثم جفافه وتهشمه حتي تذروه الرياح‏,‏ وضرب المثل الثالث علي عاقبة التكبر والغرور اللذين أصابا إبليس اللعين بالطرد من الجنة‏,‏ وحرمانه من رحمة الله جزاء عصيان أمر ربه‏,‏ وامتناعه عن السجود لأبينا آدم عليه السلام وقد أمره ربنا تبارك وتعالي بذلك‏.‏
نركز هنا علي ومضة الإعجاز الإنبائي والتاريخي في إشارة القرآن الكريم إلي يأجوج ومأجوج‏,‏ وهما أمتان من البشر‏,‏ من ذرية آدم‏,‏ تتميزان بالكثرة في العدد وبالعدوانية في الطبع والرغبة في الافساد في الأرض‏,‏ والاسمان أعجميان‏,‏ قال فيهما حمدي بن حمزة الجهني‏,‏ أن معناهما في اللغة الصينية‏(‏ سكان قارة آسيا وسكان قارة الخيل‏).‏
أولا‏:‏ يأجوج ومأجوج في القرآن الكريم‏:‏
جاء ذكر يأجوج ومأجوج في موضعين من كتاب الله وذلك علي النحو التالي‏:‏
‏(1)‏ ‏(‏ حتي إذا بلغ بين السدين وجد من دونهما قوما لا يكادون يفقهون قولا‏,‏ قالوا يا ذا القرنين إن يأجوج ومأجوج مفسدون في الأرض فهل نجعل لك خرجا علي أن تجعل بيننا وبينهم سدا‏)[‏ الكهف‏:94,93)‏
وكان السدان عبارة عن حاجزين صناعيين‏,‏ أو طبيعيين‏(‏ علي هيئة سلاسل من الجبال المتواصلة يمنة ويسرة حتي تصل البحر‏)‏ وكانا موجودين قبل مجيء ذي القرنين لأولئك القوم‏,‏ ولكن كانت بينهما فجوة يمر منها يأجوج ومأجوج إلي ما جاورهم من الناس‏,‏ فيعدون عليهم قتلا‏,‏ وسلبا‏,‏ ونهبا‏,‏ وتخريبا وتدميرا وإفسادا في الأرض‏,‏ فلما وصل اليهم ذو القرنين شكوا إليه ما يلقون من يأجوج ومأجوج وطلبوا منه أن يجعل بينهما سدا‏,‏ وجاء رد ذي القرنين علي النحو التالي‏‏ قال ما مكني فيه ربي خير فأعينوني بقوة أجعل بينكم وبينهم ردما‏,‏ آتوني زبر الحديد حتي إذا ساوي بين الصدفين قال انفخوا حتي إذا جعله نارا قال آتوني أفرغ عليه قطرا‏,‏ فما اسطاعوا أن يظهروه وما استطاعوا له نقبا‏,‏ قال هذا رحمة من ربي فإذا جاء وعد ربي جعله دكاء وكان وعد ربي حقا‏,(‏ الكهف‏:95‏ ‏98)‏
‏(2)‏ ‏(‏ حتي إذا فتحت يأجوج ومأجوج وهم من كل حدب ينسلون‏,),‏ و‏(‏حدب‏)‏ هو المكان المرتفع من الأرض‏(‏ ينسلون‏)‏ أي يسرعون الخطي في المشي أو يركضون‏.(‏ الانبياء‏:96)‏
ثانيا‏:‏ يأجوج ومأجوج في أحاديث رسول الله‏(‏ ‏):‏
جاء ذكر يأجوج ومأجوج في أقوال رسول الله وذلك في الأحاديث التالية‏:‏
‏1‏ أخرج كل من الائمة أحمد والترمذي وابن ماجه عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله قال‏إن يأجوج ومأجوج يحفرون كل يوم‏,‏ حتي إذا كادوا يرون شعاع الشمس‏,‏ قال الذي عليهم‏:‏ ارجعوا فسنحفره غدا‏,‏ فيعيده الله أشد ماكان‏,‏ حتي إذا بلغت مدتهم وأراد الله أن يبعثهم علي الناس‏,‏ حفروا حتي إذا كادوا يرون شعاع الشمس‏,‏ قال الذي عليهم‏:‏ ارجعوا فستحفرونه غدا‏,‏ إن شاء الله تعالي‏:‏ واستثنوا‏,‏ فيعودون إليه‏,‏ وهو كهيئته حين تركوه‏,‏ فيحفرونه ويخرجون علي الناس فينشفون الماء‏,‏ ويتحصن الناس منهم في حصونهم‏,‏ فيرمون بسهامهم الي السماء‏,‏ فترجع عليها الدم أجفظ‏,‏ فيقولون‏:‏ قهرنا أهل الأرض‏,‏ وعلونا أهل السماء‏,‏ فيبعث الله نغفا في أقفائهم فيقتلهم بها والنغف هو الدود الصغير‏.‏ قال رسول الله ‏:‏ والذي نفسي بيده إن دواب الأرض لتسمن وتشكر شكرا من لحومهم‏(‏ ابن ماجه‏/‏ حديث رقم‏4080).‏
‏2‏ كذلك أخرج الإمام ابن ماجه عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أنه قال‏:‏ لما كان ليلة أسري برسول الله ولقي إبراهيم وموسي وعيسي‏,‏ فتذكروا الساعة‏,‏ فبدأوا بإبراهيم فسألوه عنها‏,‏ فلم يكن عنده منها علم‏,‏ ثم سألوا موسي‏,‏ فلم يكن عنده منها علم‏,‏ فرد الحديث الي عيسي ابن مريم فقال‏:‏ قد عهد الي فيما دون وجبتها‏,‏ فأما وجبتها فلا يعلمها إلا الله‏.‏ فذكر خروج الدجال‏,‏ قال‏:‏ فأنزل فأقتله‏,‏ فيرجع الناس الي بلادهم فيستقبلهم يأجوج ومأجوج وهم من كل حدب ينسلون‏,‏ فلا يمرون بماء إلا شربوه‏,‏ ولا بشيء إلا أفسدوه‏,‏ فيجأرون إلي الله‏,‏ فأدعو الله أن يميتهم‏,‏ فت الأرض من ريحهم‏,‏ فيجأرون إلي الله‏,‏ فأدعو الله‏,‏ فيرسل السماء بالماء‏,‏ فيحملهم فيلقيهم في البحر‏.‏ ثم تنسف الجبال‏,‏ وتمد الأرض مد الأديم‏,‏ فعهد الي‏:‏ متي كان ذلك‏,‏ كانت الساعة من الناس كالحامل التي لا يدري أهلها متي تفجؤهم بولادها‏.
‏3‏ أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن حرملة بن يحيي‏..‏ عن أم المؤمنين السيدة زينب بنت جحش قالت‏:‏ خرج رسول الله يوما فزعا محمرا وجهه يقول لا إله إلا الله‏,‏ ويل للعرب من شر قد اقترب‏,‏ فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه‏,‏ وحلق بإصبعه الإبهام‏,‏ والتي تليها‏,‏ قالت فقلت‏:‏ يارسول الله‏!‏ أنهلك وفينا الصالحون؟ قال‏:‏ نعم إذا كثر الخبث‏(‏ كل من صحيحي البخاري ومسلم‏).‏
‏4‏ أخرج الإمام أحمد عن حذيفة بن أسيد الغفاري ان رسول الله صلي الله عليه وسلم قال‏:‏ لن تقوم الساعة حتي تروا قبلها عشر آيات‏:‏ وذكر الدخان‏,‏ والدجال‏,‏ والدابة‏,‏ وطلوع الشمس من مغربها‏,‏ ونزول عيسي ابن مريم‏,‏ وفتح يأجوج ومأجوج‏,‏ وثلاثة خسوف‏:‏ خسوف بالمشرق‏,‏ وخسوف بالمغرب‏,‏ وخسف بجزيرة العرب‏,‏ ونار تخرج من قعر عدن‏(‏ صحيح الجامع‏/1635)‏ وفي رواية مسلم‏..‏ وآخر ذلك نار تخرج من اليمن تطرد الناس الي محشرهم‏(‏ صحيح مسلم‏,2901)‏
ثالثا‏:‏ يأجوج ومأجوج في كتابات المفسرين
‏1‏ في شرحة لصحيح البخاري ذكر الفقيه الشيخ محمد انور الكشميري ت‏1352‏ه‏/1933‏ م ما نصه‏:‏ ان سد ذي القرنين قد اندك اليوم‏,‏ وليس في القرآن الكريم وعد ببقائه الي يوم خروج يأجوج ومأجوج‏,‏ ولا خبر يكونه مانعا لخروجهم‏,‏ ولكنه من تبادر الاوهام فقط‏,‏ فإن الله تعالي قال‏:‏ وتركنا بعضهم يومئذ يموج في بعض‏...‏
‏2‏ ذكر الامير شكيب ارسلان رحمه الله في كتابه المعنون حاضر العالم الاسلامي ان يأجوج ومأجوج هم المجار وهم المغول واعتمد في ذلك الاستنتاج علي غزواتهم المتكررة لبلاد الإفرنج‏,‏ واندفاعهم اليها حتي وصلوا الي فرنسا‏,‏ وملأوا ارضها تدميرا وفسادا وخرابا‏.‏
‏3‏ وفي التعليق علي قول ربنا تبارك وتعالي‏:‏ حتي إذا فتحت يأجوج ومأجوج وهم من كل حدب ينسلون‏,‏ واقترب الوعد الحق‏...‏ يذكر صاحب الظلال رحمه الله رحمة واسعة ان هذا النص لا يحدد زمانا معينا لخروج يأجوج ومأجوج‏,‏ فاقتراب الوعد الحق بمعني اقتراب الساعة قد وقع منذ زمن الرسول فجاء في القرآن الكريم‏/‏ قول ربنا تبارك وتعالي‏:‏ اقتربت الساعة وانشق القمر‏,‏ والزمان في الحساب الالهي غيره في حساب البشر‏,‏ فقد تمر بين اقتراب الساعة ووقوعها السنين او القرون‏,‏ يراها البشر طويلة مديدة‏,‏ وهي عند الله ومضه قصيرة‏,‏ واذن فمن الجائز ان يكون السد قد فتح في الفترة ما بين اقتربت الساعة ويومنا هذا وتكون غارات المغول والتتار التي اجتاحت الشرق هي صورة من صور انسياح يأجوج ومأجوج‏.‏
‏4‏ تري مجموعة من الكتاب المعاصرين ان تعبير يأجوج ومأجوج هو اسم علي كل كافر بالله او مشرك به‏,‏ من دعاة المادية والدهرية الذين يمثلون غالبية اهل الارض منذ البعثة المحمدية الشريفة الي اليوم‏,‏ وحتي قيام الساعة‏,‏ ويعتمدون في ذلك علي حديث رسول الله الذي اخرجه الامام البخاري عن ابي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي صلي الله عليه وسلم انه قال‏:‏ يقول الله تعالي ‏:‏يا ادم فيقول‏:‏ لبيك وسعديك‏,‏ والخير في يديك‏,‏ فيقول الله تعالي ‏:‏اخرج بعث النار‏,‏ قال ادم‏:‏ وما بعث النار؟ قال‏:‏ من كل الف تسعمائة وتسعة وتسعين‏,‏ فعنده يشيب الصغير وتضع كل ذات حمل حملها وتري الناس سكاري وما هم بسكاري ولكن عذاب الله شديد الحج‏:2‏ قالوا يا رسول الله‏!‏ وأينا ذاك الواحد؟ قال‏:‏ أبشروا فإن منكم رجل ومن يأجوج ومأجوج الف‏,‏ ثم قال‏:‏ والذي نفسي بيده اني ارجو ان تكونوا ربع اهل الجنة‏,‏ فكبرنا‏,‏ فقال‏:‏ ارجو ان تكونوا ثلث اهل الجنة فكبرنا‏,‏ فقال‏:‏ ارجو ان تكونوا نصف اهل الجنة فكبرنا‏,‏ فقال‏:‏ ما انتم في الناس الا كالشعرة السوداء في جلد ثور ابيض او كشعرة بيضاء في جلد ثور اسود‏:‏ صحيح البخاري‏:3348‏ ‏6530‏ ‏7483‏
وواضح من هذا الحديث الشريف ان جمهور بعث النار هم من يأجوج ومأجوج‏,‏ وهذا هو الذي دفع فريقا من الكتاب الي الاستنتاج بأن يأجوج ومأجوج ليسوا عرقا معينا من البشر‏,‏ ولكن هي حالة نفسية‏,‏ من الانانية‏,‏ والعنف‏,‏ والاستعلاء علي الخلق قد تصيب ايا من بني ادم‏,‏ كما اصابت كفار ومشركي اليهود في زماننا ومن قبل زماننا‏.‏
وجاء في الظلال رحم الله كاتبها ان سدا تم الكشف عنه علي مقربة من مدينة ترمذ عرف باسم باب الحديد وقد مر به في أوائل القرن الخامس عشر الميلادي العالم الالماني سيلد برجر وسجله في كتابه‏,‏ وكذلك ذكره المؤرخ الاسباني كلافيتجو في رحلته سنة‏1403‏ م‏,‏ وقال ان سد مدينة باب الحديد علي الطريق بين سمر قند والهند وقد يكون هو السد الذي بناه ذو القرنين‏.‏
وعلي اي حال فإن الجدل حول شخصية ذي القرنين‏,‏ وزمانه ومكانه‏,‏ وموضع الردم الذي بناه سيبقي دائرا حتي يحسمه الكشف الاثري الدقيق‏,‏ وكذلك سيبقي الجدل حول حقيقة يأجوج ومأجوج وتبقي اشارة القرآن الكريم الي قصة ذي القرنين مع القوم الذين بني لهم الردم الفاصل بينهم وبين يأجوج ومأجوج يبقي ذلك وجها من اوجه الاعجاز الانبائي والتاريخي في كتاب الله يشهد لهذا الكتاب العزيز بانه لا يمكن ان يكون صناعة بشرية‏,‏ لان احدا من اهل الجزيرة العربية في زمن الوحي لم يكن يعرف شيئا عن ذي القرنين او عن الردم الذي بناه هذا العبد الصالح‏,‏ او عن يأجوج ومأجوج‏.‏
فالحمد لله علي نعمة الاسلام‏,‏ والحمد لله علي نعمة القرآن‏,‏ والحمد لله علي بعثة خير الانام‏,‏ صلي الله وسلم وبارك عليه وعلي آله وصحبه ومن تبع هداه ودعا بدعوته الي يوم الدين واخر دعوانا ان الحمد لله رب العالمين‏.‏






من مواضيع زهرة الداليا في المنتدى

قديم 04-17-2011, 01:37 PM رقم المشاركة : 12
زهرة الداليا  
المشرفه العامه سابقا

الصورة الرمزية زهرة الداليا








زهرة الداليا غير متواجد حالياً


افتراضي رد: تحميل مجموعة كتب الدكتور زغلول النجار

من أسرار القرآن


فاعلم أنه لا إله إلا الله‏...‏



هذا النص القرآني الكريم جاء في منتصف سورة محمد وهي سورة مدنية‏,‏ وآياتها ثمان وثلاثون بعد البسملة‏,‏وقد سميت باسم خاتم الأنبياء والمرسلين‏-‏ ‏-‏ لورود اسمه الشريف في الآية الثانية من هذه السورة المباركة‏,‏
ولوصف القرآن الكريم بوصف‏(‏ بما نزل علي محمد‏),‏ وبأنه‏(‏ وهو الحق من ربهم‏)‏ وذلك تشريفا لسيد الأولين والآخرين من ولد آدم‏,‏ وتأكيدا علي صدق نبوته‏,‏ وعلي ربانية الوحي الذي تلقاه‏.‏
ويدور المحور الرئيسي لهذه السورة المباركة حول التشريعات المتعلقة بقضية الجهاد في سبيل الله وذلك من مثل أحكام القتال والأسري‏,‏ كما حذرت من أخطار المنافقين في السلم والحرب‏,‏ وأشارت إلي عدد من ركائز العقيدة الإسلامية
‏,‏ ونركز هنا علي ومضة الإعجاز التشريعي في فرض توحيد الله‏-‏ تعالي‏-‏ كقاعدة أساسية للعقيدة الإسلامية‏,‏ لا يمكن تجاوزها بأي حال من الأحوال‏.‏
من أوجه الإعجاز التشريعي في الأمر بتوحيد الله
أثبتت الدراسات العلمية أننا نعيش في كون له بداية تقدر بحوالي‏(13700)‏ مليون سنة‏,‏ وكل ما له بداية لا بد وأن ستكون له في يوم من الأيام نهاية‏,‏ وكل ما له بداية ونهاية لا يمكن أن يكون خالقا‏,‏ بل هو مخلوق لخالق عظيم هو الله‏,‏ الخالق‏,‏ البارئ‏,‏ المصور‏.‏
كذلك أثبتت الدراسات العلمية أن الأصل في مادة هذا الكون المخلوق هو غاز الهيدروجين الذي اتحدت نوي ذراته في درجات عالية جدا من الضغط والحرارة لتكون أغلب العناصر البانية للكون‏,‏ وبقيتها تتكون في صفحة السماء باصطياد نوي ذرات الحديد للبنات الأولية للمادة‏,‏ وقد أدي ذلك إلي الاستنتاج الصحيح بتآصل العناصر جميعا أي إلي وحدة أصولها مما يشير إلي وحدانية الخالق‏-‏ سبحانه وتعالي‏-.‏
وذرة الهيدروجين‏-‏ علي ضآلتها ذ تتكون من بروتون واحد في نواتها يحمل شحنة كهربية موجبة‏,‏ وإلكترون واحد يدور في فلك حولها ويحمل شحنة سالبة مكافئة‏,‏ وهذه الزوجية في ذرة الهيدروجين تشهد للخالق بالوحدانية المطلقة فوق جميع خلقه الذين خلقهم جميعا في زوجية كاملة‏:‏ من اللبنات الأولية للمادة إلي الإنسان حتي يبقي ربنا‏-‏ تبارك وتعالي‏-‏ متفردا بالوحدانية المطلقة فوق جميع خلقه‏.‏ والذرة تشبه في بنائها المجموعة الشمسية‏:‏ نواة في الوسط تشبه الشمس وإلكترونات تدور في فلكها كما تدور الكواكب في فلك الشمس‏.‏
وصخور الأرض‏-‏ مهما تباينت أنواعها‏-‏ فأصلها واحد هي الصخور النارية‏,‏ وهي تتكون أساسا من المعادن‏,‏ وتتكون المعادن من العناصر والمركبات‏,‏ وعناصر الأرض فاقت المائة بقليل‏,‏ وليست المعادن وحدها هي التي تتكون من العناصر‏,‏ فكل شئ مادي يتكون من تلك العناصر‏:‏ النجوم والكوكب‏,‏ والأقمار‏,‏ والمذنبات‏,‏ والشهب‏,‏ والنيازك‏,‏ الأرض وأغلفتها الصخرية‏,‏ والمائية‏,‏ والهوائية‏,‏ والحيوية‏,‏ والمادة بين كل من الكواكب والنجوم وغير ذلك من مختلف صور المادة التي ترد كلها إلي غاز الهيدروجين ومن المركبات‏,‏ البسيط‏,‏ ومنها ما هو غاية في تعقيد البناء‏,‏ وكلها يرد إلي العناصر التي ترد إلي غاز الهيدروجين‏.‏ وكل ذلك يشير إلي وحدانية الخالق‏-‏ سبحانه وتعالي‏-.‏
وتبلغ الذرة من الدقة أنها تقاس بجزء من عشرة ملايين جزء من المليمتر‏,‏ وتقدر كتلتها بجزء من مليون مليون مليون مليون جزء من الجرام‏.‏ وإذا مست نواة الذرة بشعاع من النيوترونات فإنها تنقسم‏,‏ وإذا انقسمت النواة انفصم كل من البروتونات والنيوترونات عن بعضها البعض‏,‏وبانفصامها تخرج منها الطاقة الرابطة لهذه الجسيمات وتعرف باسم القوة النووية الشديدة‏,‏ وهي قوة هائلة للغاية‏.‏
وفي الوقت الذي ترد المادة إلي لبنات ثلاث هي‏:‏ البروتون‏,‏والإلكترون‏,‏ والنيوترون‏,‏ وهي تتكون من جسيمات أدق تعرف باسم اللبنات الأولية للمادة‏(‏ أو الكواركات‏)‏ مما يرد المادة كلها إلي أصل واحد‏,‏ وإن تعددت أشكالها‏,‏ فإن مختلف صور الطاقة ترد أيضا إلي أصل واحد هو الجاذبية العظمي
وتأتي النظرية النسبية الخاصة لتكافئ بين المادة والطاقة‏,‏ وتنادي بأنهما سواء‏,‏ وتصدق التجارب هذه النظرية‏,‏ وفي مقدمة ذلك انفلاق الذرة في القنبلة اليورانيومية‏.‏
وإذا تساوت المادة والطاقة‏,‏ لم يبق من أشياء هذا الكون إلا القوي والمكان والزمان‏.‏
وتحاول النظرية النسبية العامة أن تربط بين الزمان والمكان فتجعل منهما شيئا متواصلا‏,‏ فلا يوجد مكان بلا زمان‏,‏ ولا زمان بلا مكان‏,‏ ولازمان ومكان بغير مادة وطاقة‏.‏
كذلك تحاول نظرية الحقل الواحد أن تسوي بين كل من القوتين النوويتين الضعيفة والشديدة‏,‏ وكل من الطاقة الكهربائية‏/‏ المغناطيسية وقوة الجاذبية فيما يعرف باسم‏‏ الجاذبية العظمي‏.‏وهكذا يتحلل مركبات هذا الكون أجمع من المادة‏,‏ والطاقة‏,‏ والزمان‏,‏ والمكان إلي شئ واحد يمثل الوحدة العظمي التي تجري في الكون كله شاهدة للإله الخالق‏-‏ سبحانه وتعالي‏-‏ بالوحدانية المطلقة فوق جميع خلقه التي أمر بها ربنا‏-‏ تبارك وتعالي‏-‏بقوله العزيز‏:[‏ فاعلم أنه لا إله إلا الله‏][‏ محمد ا‏19].‏
والإيمان بالله الخالق البارئ المصور يستلزم توحيده توحيدا كاملا في ربوبيته‏(‏ بمعني التسليم بأنه‏-‏ تعالي‏-‏ رب كل شئ ومليكه‏,‏ولا رب سواه‏),‏ كما يستلزم توحيده‏-‏ سبحانه وتعالي‏-‏ توحيدا كاملا في ألوهيته‏(‏ بمعني الإيمان بأنه وحده المستحق للعبادة الخالصة لجلاله دون سواه‏,‏ويستلزم توحيدا كاملا لله في أسمائه وصفاته‏(‏ بمعني ألا يدعي الله أبدا إلا بما أثبت لذاته العلية من الأسماء الحسني والصفات العليا‏,‏ وتنزيهه‏-‏ جل شأنه‏-‏ عن أسماء وصفات خلقه أجمعين‏.‏
وهذا الإله الواحد الأحد‏,‏ الفرد الصمد‏,(‏ لم يلد ولم يولد‏*‏ ولم يكن له كفوا أحد‏).‏ عرف ذاته العلية لأبوينا آدم وحواء‏-‏عليهما السلام‏-‏ لحظة خلقهما‏,‏ وأشهد ذريتهما جميعا علي ربوبيته وهم في عالم الذر في أصلاب آبائهم‏,‏ وفي ذلك يقول الحق تبارك وتعالي‏-(‏ وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم علي أنفسهم ألست بربكم قالوا بلي شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين‏*)(‏ الأعراف‏:172).‏ من هنا كان الإيمان الكامل بالله‏-‏تعالي‏-‏ ربا واحدا أحدا‏,‏ وتنزيهه عن جميع صفات خلقه‏,‏ وعن كل وصف لا يليق بجلاله هو من البديهيات الفطرية التي يدركها الإنسان السوي الفطرة بغير عناء أو مشقة‏,‏ ويفقد كل من تلوثت فطرته بنزغات الشياطين من الإنس والجن‏.‏ ومن هنا أيضا يخبرنا المصطفي‏-‏ صلي الله عليه وسلم‏-‏ أنه ا كان بين آدم ونوح عشرة قرون كلهم علي شريعة الحق ‏(‏ الحاكم في المستدرك‏).‏ ويروي ابن عباس‏-‏ رضي الله عنهما‏-‏ ا أن رجالا صالحين من قوم نوح هلكوا فوسوس الشيطان إلي قومهم أن انصبوا إلي مجالسهم التي كانوا يجلسون فيها أنصابا وسموها بأسمائهم ففعلوا‏,‏ فلم تعبد‏,‏ حتي إذا هلك أولئك وتنسخ العلم عبدت .‏‏(‏صحيح البخاري‏).‏
وكانت هذه أول صورة من صور الشرك بالله‏,‏ وأول وثنية في تاريخ البشرية‏.‏
ولما تفشت الوثنية في قوم نوح بعثه الله ذ سبحانه وتعالي‏-‏ إليهم ليردهم إلي التوحيد فلم يستجب لدعوته إلا القليل فعاقبهم الله‏-‏ تعالي‏-‏ بالطوفان‏,‏ ونجا نوحا والذين آمنوا معه‏,‏ ومن ذرية هؤلاء جاء قوم عاد الذين كانوا علي التوحيد ثم اجتالتهم الشياطين فأشركوا بالله وعبدوا الأصنام والأوثان‏,‏ فبعث الله‏-‏تعالي‏-‏ إليهم عبده ونبيه هود‏-‏علبه السلام‏-‏ يدعوهم إلي التوحيد فلم يؤمن معه إلا القليل فعاقبهم الله‏-‏تعالي‏-‏ بالرياح التي طمرتهم بالرمال‏,‏ ونجى الله‏-‏تعالي‏-‏نبيه هودا والذين آمنوا معه‏.‏ وجاء من ذرية هؤلاء قوم ثمود الذين عاشوا علي التوحيد ثم اغتالتهم الشياطين فأشركوا بالله‏,‏ وعبدوا الأصنام والأوثان فعاقبهم الله‏-‏تعالي‏-‏ بالصاعقة التي قضت عليهم‏,‏ ونجى عبده ونبيه صالحا والذين آمنوا معه‏.‏ وجاء من نسل هؤلاء قوم ثقيف الذين كانوا علي التوحيد ثم وسوست إليهم الشياطين فأشركوا بالله وعبدوا الطواغيت من الأصنام‏,‏ والأوثان‏,‏ والنجوم والكواكب‏.‏ وظلت البشرية تتأرجح بين الإيمان والتوحيد والاستقامة علي منهج الله تارة‏,‏ وبين الكفر والشرك والخروج علي منهج الله تارات إلي اليوم‏,‏ وسوف تظل كذلك إلي قيام الساعة‏.‏ ولذلك قال تعالي في الحديث القدسي‏:.....‏ وإني خلقت عبادي حنفاء كلهم‏,‏ وانتابتهم الشياطين‏,‏ فاجتالتهم عن دينهم‏,‏ وحرمت عليهم ما أحللت لهم‏.(‏ الطبراني في المعجم الكبير‏)‏
والكون كله بمن فيه وما فيه يشهد للإله الخالق بالوحدانية المطلقة فوق جميع خلقه‏.‏ فعلماء الفلك يقرون بأن هذا الكون الشاسع الاتساع‏,‏ الدقيق البناء‏,‏ المحكم الحركة لا بد له من مرجعية في خارجه‏.‏ وأن هذه المرجعية لا بد أن تكون فوق كل من المكان والزمان‏,‏ وفوق كل من المادة والطاقة‏,‏ وكأنهم يترجمون وصف الحق‏-‏تبارك وتعالي‏-‏ لذاته العلية بقوله العزيز‏......‏ ليس كمثله شيء وهو السميع البصير‏)(‏ الشوري‏:11).‏ فالكون يشهد لخالقه بالوحدانية المطلقة فوق جميع خلقه من الذرة‏,‏ إلي المجموعة الشمسية‏,‏ إلي المجرة‏,‏ إلي المجموعات المحلية‏,‏ إلي الحشود المجرية‏,‏ إلي التجمعات المحلية العظمي‏,‏ إلي الحشود المجرية العظمي وإلي الكون كله فهو مبني علي نظام واحد يشهد لخالقه بالوحدانية‏.‏ فالبناء الدقيق للسماء وهي دائمة الاتساع‏-‏ تحكمه قوانين شديدة الانضباط حيث يدور كل جرم سماوي حول محوره‏,‏ ويجري في مدارات محددة له دون توقف أو تعطل‏,‏ ودون اصطدام أو ارتطام‏,‏ أو خروج أو حيود إلي أن يشاء الله تدمير هذا الكون بكل ما فيه ومن فيه فيكون ذلك‏.‏ ووحدة البناء في الكون تؤكد أن توحيد الخالق أفضل من الشرك به‏,‏ وأن تنزيهه‏-‏ سبحانه وتعالي‏-‏ فوق جميع خلقه أفضل من الانحطاط بمدلول الألوهية إلي الحجر والشجر أو البشر أو أجرام السماء‏,‏ ولذلك قال‏-‏تعالي‏-:‏ لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا فسبحان الله رب العرش عما يصفون‏(‏
‏[‏ الأنبياء‏:22]‏
‏.‏ ولذلك جاء هذا السؤال الاستنكاري التقريعي للمشركين‏أإله مع الله ؟‏)‏ خمس مرات في سورة النمل‏,‏ وجاء الجواب خمس مرات بقول الحق‏-‏ تبارك وتعالي‏-بل هم قوم يعدلون‏),(‏ بل أكثرهم لا يعلمون‏)‏ ( قليلا ما تذكرون‏),(‏ تعالي عما يشركون‏),‏ و‏(‏ قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين‏).‏
وهنا تتضح ومضة الإعجاز التشريعي في خطاب ربنا ذ تبارك وتعالي إلي خاتم أنبيائه ورسله ذ قائلا‏:[‏ فاعلم أنه لا إله إلا الله‏.....][‏ محمد‏:19]‏
‏.‏ فالحمد لله علي نعمة الإسلام‏,‏ والحمد لله علي نعمة القرآن‏,‏ والحمد لله علي بعثة خير الأنام سيدنا محمد النبي العربي الأمين صلي الله عليه وسلم وبارك عليه‏-‏ وعلي آله وصحبه ومن تبع هداه ودعا بدعوته إلي يوم الدين‏,‏ وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين‏.‏








من مواضيع زهرة الداليا في المنتدى

إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

تحميل مجموعة كتب الدكتور زغلول النجار


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة


جميع المشاركات المنشورة فى المنتدى لا تعبر عن وجه نظر الإدارة
لطلب الإعلانات admin@rwa2an.com (ليس لدينا ايميلات اخرى للتعامل)
Please dont post any copyrighted materials like cracks , serials , nulled products .. ETC

الساعة الآن 03:49 PM.
Powered by vBulletin, Jelsoft Enterprises Ltd

جميع الحقوق محفوظة لمنتديات الروقان، عالم من الإبداع